الجزء السابع: المدينة تستردُّ سرَّها

الفصل الثامن والخمسون: أول الدم وآخر الهيبة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثامن والخمسون: أول الدم وآخر الهيبة

بعد تلك الليلة، لم يعد أحدهم يمشي في القرية مطمئنًا إلى ظهره.
صاروا يتوجسون من الظلال، ويخفون ما بقي من مال، ويتلفتون إذا ذُكرت أسماء بعضهم في مجلس.
وانقسم فريق الشر إلى شللٍ صغيرة:
منهم من أراد الاحتماء بالعجوز.
ومنهم من رأى أن الأخت الكبرى صارت أضعف من أن تُتبع.
ومنهم من ظن أن الابن الأكبر هو المستقبل؛ لأنه الأكثر قسوة والأقل حياءً من الدم.
ومنهم من قرر أن ينجو بنفسه كيفما استطاع.

لكن الشر لا يعرف النجاة الفردية.
من دخل بابه كاملًا، نادرًا ما يخرج منه نصف خارج.

في إحدى الليالي، استدرج الابن الأكبر واحدًا من الأعمام الثلاثة إلى مكان مهجور واخبره انه علم ان المال مدفون هناك
وكان العم قد صار يهدد الجميع بأنه سيكشف ما يعرفه عن الأعمال القديمة، وعن أشياء دُفنت في البيوت، وعن أسماء من أعانوا العجوز في أمورٍ لا ينبغي أن يعرفها الناس.

دخلا المكان.
ولا أحد يعلم على وجه الدقة ماذا دار بينهما.
لكن أهل القرية سمعوا لاحقًا صياحًا مكتومًا، ثم صمتًا ثقيلاً، ثم لم يخرج الرجل إلا جثةً مخنوقة، وجهه مزرق، وعيناه مفتوحتان على رعبٍ متأخر.

قيل: حادث.
وقيل: اختناق.
وقيل: ربما سقط بين الأكياس.
لكن الجميع كانوا يعرفون أن البيوت التي تربّى أهلها على إيذاء غيرهم لا يموت أهلها ميتاتٍ صافية.

ولما بلغ الخبر العجوز، لم يبدُ عليه الحزن بقدر ما بدا عليه التوتر.
فالموت الأول بين المتواطئين ليس فقط فقد رجل، بل إعلان بدء السقوط.
وقد فهم هذا جيدًا، لكنه لم يكن يملك شجاعة الرجوع، بل فقط حرفة الهجوم.

قال للأخت الكبرى:
— ابنك بدأ يخرج عن يدك.
فقالت وهي ترتجف:
— بل خرج عن يدك أنت.
قال:
— إذن أمسكيه.
فردت بمرارةٍ سوداء:
— وكيف يُمسك من ربيناه على الحرام؟

وكانت هذه أول مرةٍ تنظر فيها إلى زوجها العجوز لا بوصفه شريك الشر فقط، بل بوصفه المصيبة التي ربّت المصائب بعدها.