الفصل الثالث والخمسون: بين نبضة الجنين ونبضة المصير
في بخارستان، كانت صفية تدخل شهرها التالي، والحمل يزداد رسوخًا في رحمها، حتى صار الخبر ليس بشارةً معلقة في الهواء، بل حياةً آخذة في التشكل بالفعل.
كانت تضع يدها على بطنها، وتجلس أحيانًا منفردةً تتخيل الطفل القادم.
ليس وجهه فقط، بل قدره.
لقد صار اسم عبدالملك يمرّ في البيت على استحياءٍ أولًا، ثم على يقينٍ متزايد.
وكان تقي الدين، كلما سمع الاسم، يطرق برأسه قليلًا، كمن يعرف أن الأسماء الكبيرة لا ينبغي أن تُبتذل بكثرة المزاح.
وذات ليلة، جلس سعيد إلى جوارها في الفناء، وكانت السماء صافية، والهواء باردًا على نحوٍ جميل.
قال:
— بمَ تفكرين؟
قالت:
— أفكر كيف يمكن لطفلٍ لم يولد بعد أن يغيّر ترتيب قلوب من حوله.
— هل غيّره؟
— نعم. أمي تمشي أخف. وأبوك ينظر إلى الأرض كأنها تنتظر قدمًا صغيرة. ورشيدة صارت أقل صرامة إذا نظرت إليّ. وحتى أنا…
— حتى أنتِ ماذا؟
ابتسمت:
— حتى أنا أشعر أنني لم أعد أنتمي إلى نفسي وحدي.
فقال سعيد:
— هذه بداية الأمومة الحقيقية.
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
— لكن تذكري، يا صفية، أن الطفل الذي يأتي على وعد، يحتاج من أبويه أن يحملاه كما يحملان رسالة، لا كما يحملان أمنية فقط.
نظرت إليه، وفي عينيها يقينٌ لم يكن فيها قبل أعوام:
— وأنا لا أخاف التعب.
قال:
— وأنا لا أخاف الطريق.
ثم وضع يده على بطنها برفق، وهمس:
— تعالَ يا عبدالملك، فالدار تتهيأ لك.