الفصل الخمسون: الأرض التي ستنجب البيت
بعد ثبوت الحمل واطمئنان البيت إلى استقرار صفية، بدأ المشروع العملي يتخذ شكله.
اختار تقي الدين وسعيد قطعة أرض واسعة في أطراف بخارستان، لا بعيدةً عن العمران كل البعد، ولا قريبةً منه بحيث تبتلعها ضوضاؤه.
أرضٌ تصلح للزرع، وتُقام عليها البيوت، ويُبنى في أطرافها مجلس، وتُربى فيها الخيل، ويكون فيها متسع للأطفال الذين لم يولدوا بعد، وللعلماء الذين سيؤتى بهم، وللحياة التي كانت الرؤيا قد سبقتها بالوصف.
خرج الرجال إليها في صباح صافٍ.
تقي الدين، وعماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، وسعيد.
وبعدهم وصلت صفية مع مريم وفاطمة، لا لتشارك في الحسابات التقنية، بل لتراها بعين المرأة التي ستجعل من المكان بيتًا لا مجرد مساحة.
وقفت صفية تنظر إلى الامتداد.
ترابٌ عريض، ورياح خفيفة، وسماء واسعة، وصمتٌ يليق بالبدايات الكبيرة.
قال سعيد، وهو يشير بيده:
— هنا البيت الكبير.
وهنا بيوتٌ متجاورة.
وهنا مجلس الضيوف.
وهنا مخزن الغلال.
وهنا موضع الخيل.
وهنا، إن شاء الله، حلقة العلم.
وكان يتكلم لا كحالمٍ ينسج قصورًا في الهواء، بل كرجل دولة يعرف أن البناء يبدأ برسم الحدود الصحيحة للمقصد.
أما تقي الدين، فقد قال وهو ينظر إلى صفية:
— وهنا، يا ابنتي، سيكبر أولادك على غير ما كبرتِ عليه.
لن يعرفوا ضيق القرية التي ظلمتك، ولا برد العاطفة الذي أكل طفولتك، ولا الجهل الذي أحاط بك.
بل سيعرفون الدين والقرآن والفروسية والكرم والانضباط منذ الخطوة الأولى.
وأطرقت صفية، لأن الجملة مست شيئًا شديد العمق فيها.
إن أكبر ما يصنع الشفاء في الجرح القديم ليس أن يُعوضك أحد على ما فاتك فحسب، بل أن ترى أبناءك يبدؤون من الموضع الذي حُرمت أنت منه.
وفي الأيام التالية، بدأت الحركة في الأرض.
عمال.
بناؤون.
حجارون.
نجارون.
ورجال يأتون ويذهبون، والخطوط الأولى للدار الكبرى ترتسم شيئًا فشيئًا.
وكانت صفية تزور المكان بين حين وآخر، تقف هناك وقد بدأ الحمل يستقر في جسدها، وتشعر أن البيت نفسه ينمو بالتزامن مع الجنين؛
هذا جدار يرتفع،
وذاك عظمٌ يتخلق،
وهنا نافذة تُفتح،
وهناك قلب صغير يبدأ نبضه.
ولما قالت هذا المعنى ذات يوم لسعيد، ابتسم وقال:
— إذن نحن لا نبني بيتًا فقط، بل نبني زمنًا.