الجزء السادس: بذرةُ المُلك

الفصل التاسع والأربعون: فاطمة… بركة البيت

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل التاسع والأربعون: فاطمة… بركة البيت

في تلك الأثناء، وصلت إلى بخارستان فاطمة، والدة سعيد.

كانت امرأة في الستين، لكن العمر فيها لم يكن شحوبًا، بل وقارًا.
وجهها مضاء ببساطة الأمهات الصالحات، وفي صوتها رقة لا تُضعف الشخصية، بل تمنحها اتساعًا.
وكانت من ذلك النوع من النساء اللواتي إذا دخلن بيتًا شعر الناس أن الرحمة دخلت معهن بلا صخب.

استقبلتها صفية استقبال ابنةٍ وجدت أمًّا أخرى على هيئة السكينة.
فلم تكن فاطمة بالنسبة إليها مجرد والدة زوج، بل كانت رافدًا آخر للطمأنينة في هذا البيت الذي يُبنى على عين القدر.

حين دخلت فاطمة الدار، وجدت مريم أم صفية تنتظرها عند الباب الداخلي.
وتلاقت المرأتان كما تلتقي امرأتان كبيرتان تعرفان أن بينهما امرأةً شابة ستكون محور مستقبل طويل.
لم يكن في اللقاء تكلف، بل كان فيه ذلك الاحترام الذي يتولد حين ترى النفس الصالحة شبهها في نفسٍ أخرى.

قالت مريم:
— حللتِ أهلًا ونزلتِ سعة.
فابتسمت فاطمة وقالت:
— جئتُ لأقف حيث كتب الله لي، ولأرى بعيني البيت الذي أراح قلب ولدي.

ثم دخلت على صفية.

كانت صفية يومها في أول حملها، وفي وجهها نورٌ لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يعلو على آثار ما مضى من تعب.
نظرت إليها فاطمة طويلاً، ثم مدت يدها إلى خدها وقالت:
— والله يا بنتي، ما رأيتك من قبل ولكني عرفت لماذا امطر الخير على ابني منذ عرفك.

احمرّ وجه صفية، وخفضت بصرها، لكن فاطمة لم تكن امرأة تجرح حياء النساء بكلام زائد، بل كانت تعرف كيف تضع الكلمة موضعها ثم تنسحب عنها.

ومع الأيام، صار وجود فاطمة بركةً حقيقية في البيت.
كانت تتحرك بهدوء بين الغرف، تسند هذا، وتواسي ذاك، وتدعو هنا، وتصلح بين تفصيلين هناك، وتفهم من الوجوه ما لا تحتاج معه إلى كثير سؤال.
وصارت صفية تجد فيها دفئًا نادرًا؛ فهذه المرأة، بخلاف كثيرٍ من النساء اللواتي عرفتهن في ماضيها، لم تكن تنافسها على قلب سعيد، ولا تحصي عليها الأنفاس، ولا تدخل حياتها لتفتش فيها، بل كانت تميل إليها ميل الأم الحكيمة إلى ابنةٍ رأت فيها صلاحًا وصدقًا.

وذات مساء، جلستا معًا في طرف الفناء، وكان النسيم يمرّ بين الشجر، فقالت فاطمة:
— أخبرني سعيد أنكِ تحملين.
ابتسمت صفية في حياء:
— نعم.
— وهل أخبركِ قلبكِ من هو؟
رفعت صفية رأسها، ونظرت إليها بدهشة:
— ماذا تعنين؟
ضحكت فاطمة ضحكة أمومية دافئة:
— أعني أن بعض الأمهات يعرفن من أول الحمل إن كان القادم سيأتي ومعه شأن.

سكتت صفية لحظة، ثم قالت ببطء:
— أخبرتني الرؤيا باسمه منذ زمن.
— وما اسمه؟
— عبدالملك.

هنا سكتت فاطمة، وسرت في وجهها رهبة لطيفة، ثم قالت:
— اسم ثقيل… لا يأتي من عبث.

ثم نظرت إلى صفية نظرة عميقة، وأردفت:
— إذن اجعلي قلبكِ واسعًا. فالأسماء الكبيرة تحتاج أرحامًا تعرف كيف تصبر عليها.