الجزء الخامس: العودة إلى الأصل

الفصل الثالث والأربعون: مريم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثالث والأربعون: مريم

وقفت المرأة عند باب المجلس لحظة، كأن الزمن أراد أن يمنح المشهد سكونه الكامل قبل أن ينفجر.

كانت امرأة في سن الوقار، ليست عجوزًا منهارة، ولا شابةً باقية على فتنتها الأولى، بل امرأة نضجت ملامحها بالعلم والصبر والحزن الجميل.
وفي وجهها أثر نساءٍ ولدن للحب، ثم أمضين عمرًا يحمين ما بقي في القلوب من ضياء بعد الفقد.

نظرت إلى زوجها.
إلى الرجل الغريب.
ثم إلى المرأة التي يقف بينها وبينه ذلك الاحتضان المفاجئ.

وقالت:
— ما الخبر؟

رفع تقي الدين رأسه إليها، وعيناه مملوءتان بما لا يقدر على حمله وحده:
— مريم…

ولم يُكمل.

لكن بعض الأسماء يكفي أن يُقال على نحوٍ معين حتى يفهم القلب البقية.
اقتربت مريم خطوةً بطيئة، ثم نظرت إلى صفية.

وكان وجه صفية، في تلك اللحظة، مبللًا بالدموع، متشققًا بين الحياء والذهول، ومضيئًا بشيءٍ لا علاقة له بالزينة ولا بالهيئة، بل بكون الروح بدأت تجد مرآتها.
نظرت مريم إليها طويلًا.
ثم وضعت يدها على صدرها، كأنها شعرت بشيءٍ يضربها من الداخل.

همست:
— لا…
ثم خطوة أخرى:
— لا…
ثم قالت، وكأنها تخاف من الأمل لأنه إن كذب هذه المرة سيموت فيها شيء:
— صفية؟

وهنا فقط، رفعت صفية رأسها كاملة نحوها.

ورأت أمها.

لا لأنها قيل لها إنها أمها، بل لأنها رأت في وجهها ما ظل قلبها يفتقده طوال عمره دون أن يعرف صورته.
رأت شبهًا في العينين.
وفي انحناءة الفم عند الحزن.
وفي هيئة الوجه حين يختلط فيه الوقار بالرحمة.
وشعرت ـ على نحوٍ يكاد يكون جسديًا — أن هذا الوجه كان ينبغي أن يكون أول ما رأته طفلة حين فتحت عينيها على الدنيا.

قالت صفية، وقد صارت الكلمة تخرج من عمقٍ لا تعرفه في نفسها:
— يا أمّاه…

ولم تمشِ مريم بعد ذلك.
بل جرت.

احتضنتها احتضانًا لم يكن فيه ترتيب ولا تجمل، بل كان فيه انفجار الثمانية والعشرين عامًا كلها.
وبكت.
بكت بكاءً لو سمعته الجدران لفهمت أن الفقد لا يشيخ، وأن الأم التي تُنزع منها طفلتها لا تبرأ مهما مضت عليها السنون.

قالت بين شهقاتها:
— كنتُ أعلم أنكِ لم تموتي… كنتُ أشعر… كنتُ أقول لهم: قلبي لا يصدق أنها ذهبت هكذا…
وكانت صفية تبكي هي الأخرى، ممسكةً بأمها كما يمسك الغريق أول يابسٍ صادق يلقاه بعد طول غرق.

جلس الجميع بعد حين، لكن المجلس لم يعد هو المجلس الأول.
لقد انقلب من غرفة استقبال إلى رحمٍ متأخر استعاد ابنته.

وحكت صفية.
وحكى سعيد.
وحكى تقي الدين ما عرفه قديمًا عن ليلة المدينة.
وحكت مريم عن تلك السنوات التي ظلت فيها تدعو في سجودها لابنةٍ لا تعرف هل هي تحت التراب أم فوق الأرض.

وفي كل كلمة، كانت صفية تشعر أن أجزاءً من نفسها تعود إلى أماكنها.