الجزء الخامس: العودة إلى الأصل

الفصل الثاني والأربعون: وجه الأب

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثاني والأربعون: وجه الأب

كان الرجل في أواخر الكهولة أو تجاوزها، لكن العمر لم يُسقط من هيبته شيئًا.
قامته مستقيمة على نحوٍ يفضح أن صاحبها لم يعش عمره في الترف، بل في المعنى.
وجهه مشدود القسمات لا من قسوة، بل من طول ما نظر في الدنيا بعينٍ فاحصة.
لحيته قد خالطها الشيب اختلاطًا جميلًا.
وفي عينيه عمقٌ لا يملكه إلا من عرف العلم والعبادة والوجع معًا.

فتح الباب، ونظر أولًا إلى سعيد، ثم إلى المرأة التي تقف خلفه.

وهنا حدث ما لا تصنعه المصادفات.

لم يسأل الرجل مباشرة: من أنتما؟
بل نظر إلى صفية طويلًا، كأن شيئًا قديمًا ضرب قلبه دفعةً واحدة.

أما هي، فلما وقعت عيناها عليه، شعرت أن شيئًا ما في وجهه يوقظ فيها نفسها.
ليس الشبه وحده.
فالشبه أحيانًا يحتاج وقتًا حتى يُلاحظ.
لكن كان فيه شيء أعمق:
الوقار نفسه الذي شعرت أنها كانت تبحث عنه بلا وعي في كل رجل نبيل تراه.
الهدوء نفسه الذي كانت روحها تتخيله حين كانت تتساءل في طفولتها: كيف يكون أبي الحقيقي لو كان لي أب يعرفني؟

قال الرجل بصوتٍ ثابت، لكنه مشدود من الداخل:
— تفضلوا.

دخلوا.

جلسوا في المجلس الواسع.
وكانت عيناه لا تكادان تفارقان وجه صفية، لا على نحوٍ يحرج، بل على نحوٍ يرتبك فيه القلب وهو يحاول ألا يصدق ما بدأ يهمس له.

تكلم سعيد أولًا.
قدّم نفسه.
وذكر ما لا بد من ذكره.
ثم قال بهدوء:
— جئناكم في أمرٍ قد يبدو عجيبًا، لكني ما جئت به إلا بعد يقينٍ وتثبت.

واستمع الرجل.

كلما مضت كلمات سعيد، كان وجه تقي الدين يتغير، لا لأن الكلام يدهشه فقط، بل لأنه يوقظ في ذاكرته جرحًا لم يندمل أصلًا.
جرح الرضيعة التي ضاعت في المدينة.
جرح الصمت بعد البحث.
جرح السنوات التي حاول فيها أن يسلّم الأمر لله، لكنه لم ينس أبدًا أن له ابنةً خرجت من الدنيا قبل أن يعرف وجهها… أو هكذا ظن.

قال سعيد:
— زوجتي… ليست سارة. اسمها الحقيقي صفية.
وهنا انقطع نفس المجلس كله.

نظر تقي الدين إلى صفية كما لو أن الاسم خرج من أعماق تاريخٍ مدفون.
وقال، وقد خفت صوته لأول مرة:
— صفية؟

كانت الكلمة، حين خرجت من فمه، مختلفة عن كل نداءات “سارة” التي عاشت بها صفية عمرها كله.
خرجت وفيها حق.
وفيها دم.
وفيها فقدٌ قديم عاد يطرق باب الحاضر.

لم تستطع أن تجيب فورًا.
شعرت أن الدموع سبقتها إلى صوتها.
ثم قالت، بالكاد:
— نعم.

وهنا قام الرجل.

لم يقم على هيئة من يريد الاقتراب الرسمي المتزن.
بل قام كمن سقطت على قلبه فجأةً نعمةٌ يخاف أن يمدّ يده إليها فتتبخر.
تقدم خطوة.
ثم ثانية.
ثم وقف أمامها، ولمس بطرف أصابعه جبينها برقةٍ مرتعشة، كأنما يتأكد أنها ليست صورةً ولا حلمًا.

ثم قال العبارة التي مزقت قلبها ومزقت ما بقي فيه من صبرٍ دفين:
— هذه… هذه عينُ مريم.

انهارت صفية باكية.

لم تكن دموعًا لطيفة هادئة.
بل بكاءً خرج من عمق سنينٍ كاملة شعرت فيها أنها بلا جذرٍ واضح.
مدّ الرجل ذراعيه، واحتضنها احتضانًا لم يتعلمه من لقاءات التعارف، بل احتضان أبٍ حُرم من ابنته ثمانيةً وعشرين عامًا ثم رُدت إليه دفعةً واحدة.

وقال، وصوته ينكسر:
— يا الله… يا الله… الحمد لك… الحمد لك…

وفي تلك اللحظة، دخلت امرأة من الممر الداخلي على وقع الأصوات.