الفصل الأربعون: الطريق إلى بخارستان
في صباح السفر، كان الضوء نقيًا على نحوٍ بدا لصفية علامةً حسنة.
خرجت مع سعيد، لا كخارجةٍ إلى رحلةٍ عابرة، بل كخارجةٍ من جلدٍ قديم.
والإنسان حين يرحل من مكانٍ إلى مكان، لا يحمل حقائبه فقط، بل يحمل معه صورًا ومشاهد وروائح وأصواتًا لا يدري أهي ستفارقه أم ستظل تمشي وراءه طويلًا.
كانت الطريق في أولها مألوفة.
مدينة.
مطار.
إجراءات.
انتظار.
وجوه بشرية تمرّ ولا تعلم أنها تمر بمحاذاة امرأة تقف على أعتاب استعادة نسبها كله.
لكن داخل صفية، لم يكن شيء مألوفًا.
جلست إلى جوار سعيد، وأمامها نافذة الطائرة أو نافذة الطريق في مقاطع الرحلة المتعددة، وكانت الأرض في أسفلها أو حولها تنسحب وتتمدد وتغيب، فيما عقلها يتشبث بسؤال واحد:
كيف سيكون اللقاء؟
هل سيفتح الأب الباب ويعرفها من أول نظرة؟
هل ستلقي الأم نفسها عليها كما في الأحلام؟
هل سيصدقها الإخوة؟
هل ستشعر فعلًا، حين تصل، بأنها وجدت بيتها؟
أم أن السنوات التي ضاعت لا يمكن تعويضها مهما كانت الحقيقة واضحة؟
التفت إليها سعيد في أثناء الطريق، فوجدها ساكنة على غير عادتها.
سألها:
— فيمَ تفكرين؟
نظرت إليه، وفي عينيها رقةُ امرأةٍ تخاف أن ينكسر حلمها إن نطقت به:
— أفكر… ماذا لو وصلنا ولم أجد ما تخيلته؟
فهم ما تقصده دون حاجة إلى شرح طويل.
قال:
— أنتِ لا تسافرين إلى خيال، بل إلى حق.
— لكن الحقوق إذا تأخرت، يخاف القلب منها كما يشتاق إليها.
مدّ يده إلى يدها، وضغط عليها بلطف:
— إن لم تجدي هناك إلا بعض ما تنتظرين، فسيكفيك أنه بعض الحق، لا بعض الوهم.
ثم سكت قليلًا، وقال:
— واذكري أن الله لم يكشف لكِ هذا كله ليترككِ في منتصف الطريق.
أطرقت، وشعرت أن وجوده بجوارها ليس سلوى فقط، بل جزء من تحقق هذا المصير نفسه.
فلولا سعيد، لما خرجت من القرية أصلًا.
ولولا سكينة عقله، لربما شكّت في رؤاها، أو انهارت قبل أن تُكمل عام العلاج، أو ظلت تدور في حلقة الشكوى والوجع حتى يضيع ما بقي من عمرها.
في منتصف الرحلة، أغمضت عينيها قليلًا، فمرّت في داخلها مشاهد طفولتها، لكن هذه المرة لم تكن تمر على قلبها بالطريقة القديمة.
كانت تراها الآن كمن يرى فصلًا أول من كتاب عرف عنوانه أخيرًا.
ذلك البيت الفقير.
الأب العجوز المتعب.
الأم الصامتة.
الأخت الكبرى الملتبسة.
الحسد.
الضيق.
الثياب البسيطة في الأعياد.
المدرسة المتهالكة.
الزواج الأول.
الطلاق.
الوظيفة.
سعيد.
السحر.
الرؤى.
الاسم.
كل ذلك لم يعد شتاتًا.
صار مقدمة.
فتحت عينيها ببطء، ورأت السماء ممتدةً في الخارج.
فهمست:
— يا رب، لقد حملتني طويلًا من غير أن أفهم. فلا تتركني الآن وأنا أقترب من الفهم.