الجزء الخامس: العودة إلى الأصل

الفصل التاسع والثلاثون: الرحيل الذي لم يكن هربًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل التاسع والثلاثون: الرحيل الذي لم يكن هربًا

لم يكن قرار السفر إلى بخارستان قرارًا من تلك القرارات التي تُتخذ في ساعة انفعال ثم يُترك الباقي للأيام.
بل جاء بعد سنةٍ كاملة من العلاج، ومن انكشاف الأسرار، ومن تبدل الوجوه في نظر صفية حتى لم يعد بإمكانها أن تنظر إلى حياتها القديمة بالطريقة نفسها.

كانت قد صارت تحمل اسمها الجديد في داخلها على هيئة يقين، وإن لم تعلنه بعد على الملأ.
فكلما ناداها أحدهم: “يا سارة”، أجابت في الظاهر، لكن في باطنها كانت روحها تلتفت إلى الاسم الآخر: صفية.
وكان لهذا الالتفات أثر غريب عليها؛ كأنها، كلما سمعت اسمها القديم، سمعت معه سنوات التيه كلها، وكلما تذكرت اسمها الحقيقي، انفتح في صدرها طريق لا تزال أولاه غامضة، لكن آخرها موعود بالنور.

في الأيام السابقة للسفر، كانت تتحرك في البيت بحذرٍ مهيب، كأنها تخشى أن تُفسد بكثرة التفكير شيئًا رتّبه الله بعنايةٍ بعد طول ابتلاء.
أما سعيد، فقد بدا أكثر ثباتًا مما مضى.
كانت القرارات الكبيرة، إذا نضجت في عقله، تُخرجه من التردد إلى سكينةٍ عملية.
رتب الأوراق، ونظر في شؤون السفر، وأعاد تنظيم بعض تفاصيل العمل، وأغلق الأبواب التي يمكن أن يتسرب منها أهل الشر إلى أخبارهما.

وفي مساء اليوم الذي سبق الرحيل، دخلت صفية إلى أمها التي ربّتها.

كانت المرأة تجلس عند طرف الغرفة، وظهرها منحني قليلًا، كأن السنين لم تكتفِ بما فعلته في وجهها، بل انحنت بها من الداخل إلى الخارج.
رفعت رأسها حين دخلت صفية، وظهر في عينيها ذلك الذعر الحزين الذي صار ملازمًا لها منذ أن اهتز السر في داخلها.

وقفت صفية لحظة.
كانت هذه المرأة، مهما يكن من أمرها، جزءًا من طفولتها.
هي اليد التي وضعت لها الطعام أحيانًا، وإن بغير حنانٍ كامل.
وهي العين التي راقبتها، وإن باضطراب.
وهي السقف الذي عاشت تحته، ولو كان سقفًا لا يشبه السكنى الحقيقية.
ولذلك لم تستطع أن تدخل عليها بقلبٍ من حجر.

قالت بهدوء:
— سنسافر.

اهتز وجه المرأة، كأن الكلمة كانت منتظرة في سرّها.
— إلى أين؟
سكتت صفية لحظة، ثم قالت:
— إلى بخارستان.

هنا أغمضت المرأة عينيها، وأسبلت دمعتان ثقيلتان على وجنتيها دون صوت.
ولم تكن دموعها دموع المفاجأة.
بل دموع من عرف، في أعماقه، أن الساعة التي كان يخافها قد جاءت.

قالت بصوتٍ مكسور:
— ستذهبين إليهم إذن.
نظرت إليها صفية، وفي نظرتها امتزج الوجع بالرحمة:
— كان ينبغي أن أذهب منذ ولدت.

بكت المرأة هذه المرة بصوتٍ خفيض، ثم قالت:
— والله ما أردت لكِ الشر… لكني كنت أضعف من أن أقدر على الحق.
أطرقت صفية، وشعرت أن العبارة أثقل من أن تردّ عليها ردًّا سريعًا.
فليست كل الخيانات خناجر مباشرة؛ بعض الخيانات صمتٌ جبان، لكنه مع ذلك يجرح العمر كله.

قالت بعد صمت:
— لستُ أطلب منكِ اليوم تفسيرًا جديدًا. ما جرى قد جرى.
ثم أضافت، وقد رقّ صوتها قليلًا:
— لكن ادعي لي.

رفعت المرأة رأسها، وفي عينيها ارتجاف مَن لا يملك بعد الانكشاف إلا الدعاء:
— الله يحفظك… الله يردك إلى خير… الله يجعل ما بينك وبيني عفوًا لا مؤاخذة فيه يوم القيامة.

خرجت صفية من عندها، وفي صدرها شعور معقد لا اسم واحدًا له.
ليست كراهية.
وليست صفحًا كاملًا.
وليست حنينًا.
بل شيء بين كل ذلك: وداعٌ لجزءٍ من حياةٍ لا تستطيع أن تحبه، لكنها لا تستطيع أن تمحوه من لحم ذاكرتها أيضًا.

وفي تلك الليلة، نامت قليلًا.
وكان النوم يمر عليها متقطعًا، بين مشهد الرحيل، وصور الرؤى، ووجوه لم ترها بعد لكنها صارت تشعر أنها تعرفها من الداخل: وجه الأم مريم، والأب تقي الدين، والأختين رشيدة وحميدة، والإخوة الثلاثة الذين كانت أسماؤهم تتردد في روحها حتى صارت كأنها أسماء أفرادٍ عرفتهم في طفولتها ولم تنسهم، مع أنها لم ترهم قط.