الجزء الرابع: حين تكلّم الغيب

الفصل السابع والثلاثون: اهتزاز بيت السر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل السابع والثلاثون: اهتزاز بيت السر

قبل الرحيل، بدأت علامات الارتباك تظهر أكثر على الأم التي ربّت صفية.

كانت سارة ـ أو صفية، كما صارت تسمي نفسها في سرّها — تنظر إليها الآن بعينين مختلفتين.
ليست نظرة كره، ولا نظرة براءةٍ ساذجة كما من قبل، بل نظرة امرأة تحمل في صدرها سؤالًا لا يعود إلى موته بعد أن وُلد.

وذات يوم، زارتها.

جلست الأم أمامها، وقد شحب وجهها على نحوٍ ملحوظ.
وبدا في حركاتها ذلك الارتباك الذي يصيب من طال حمله لسرٍّ يخاف أن يُسأل عنه.
قالت صفية، في هدوءٍ أربك الأم أكثر من الصراخ:
— أريد أن أسألك سؤالًا، وأريد الصدق.

رفعت المرأة عينيها، ثم خفضتهما بسرعة:
— ماذا؟
قالت:
— أنا بنتُ من؟

سقط السؤال بينهما كحجرٍ في ماءٍ راكد منذ سنين.

ارتعشت يد المرأة.
وحاولت أن تتماسك، لكنها لم تستطع.
تحركت شفتاها دون كلام.
ثم قالت:
— أنتِ… أنتِ بنتنا.
لكن العبارة خرجت ميتة.

نظرت إليها صفية طويلًا.
ثم قالت:
— لا.

وهنا انهارت المرأة.

لم تنهَرْ باعترافٍ كامل، بل بانهيار الجسد الذي تعب من حمل الكتمان.
وضعت يديها على وجهها، وبدأت تبكي بكاءً حادًا متقطعًا، كأن السنين كلها خرجت دفعة واحدة.

قالت بين شهقاتها:
— أنا لم أُرد هذا… والله ما أردته…
اقتربت صفية خطوة:
— ماذا لم تُريدي؟
— جاءني بها… قال هذه ابنتك… ثم قال لي اسكتي… لو تكلمتِ ضاع البيت… وخفت… خفت…

كانت الكلمات متقطعة، لكنها كافية لتثبت ما جاء في الرؤيا.
ولم تستطع المرأة أن تكمل كل شيء، لا لأن الحقيقة ناقصة، بل لأن ضعفها أقدم من قدرتها على مواجهة ما صنعت يد الصمت فيه.

وقفت صفية، وداخلها نارٌ وبردٌ معًا.
هذه المرأة ليست الشيطان الأكبر.
ليست بريئة أيضًا.
بل ضعيفة، مكسورة، خانت بالصمت، ودفعت الثمن عمرها كله من الداخل.

خرجت من عندها، وعيناها مليئتان بدموعٍ لا تعرف هل هي دموع الحزن أم الغضب أم الفقد المتأخر.

ولما عادت إلى سعيد، قالت جملة واحدة:
— لقد صدق المنام.