الجزء الرابع: حين تكلّم الغيب

الفصل الحادي والثلاثون: سنة على حافة الحرب

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الحادي والثلاثون: سنة على حافة الحرب

لم يكن العلاج أيامًا عابرة، ولا رقية تُقرأ فتنتهي كل العقد فجأة.
بل كان رحلةً امتدت اربعة اعوام كاملة كأنهما يخرجان فيه من نفق طويل، خطوةً خطوة، ووجعًا وجعًا، واكتشافًا بعد اكتشاف.

بحث سعيد عن رجلٍ صالحٍ معروف بالعلم والديانة والاستقامة، لا دجالًا، ولا متاجرًا بآلام الناس، ولا ممن يكثرون الادعاءات ويقلّ فيهم الصدق.
ووجد من هداه الله إليه.

كان الرجل بسيط الهيئة، قليل الكلام، وإذا تكلم لم يُكثر من الكلمات التي تعجب العامة، بل يُكثر من الآيات والأذكار والتوجيه إلى الله.
ولما سمع منهما، لم يبدُ عليه الاندهاش المصطنع، بل قال بهدوء:
— لا حول ولا قوة إلا بالله. اصبرا، فإن الله إذا أراد بعبدَيه خيرًا كشف لهما الداء قبل أن يستفحل في الروح.

بدأت جلسات القراءة.
القرآن يُتلى في البيت.
السور تُكرر.
الأذكار تُحفظ.
الماء يُقرأ عليه.
البيت يُطهر.
الأشياء المشبوهة تُخرج.
العلاقات تُراجع.
الزيارات تُضبط.
الأخبار تُقطع عن أفواهٍ كانت تأخذ لتخون.

وكان العلاج، في كثيرٍ من أيامه، أصعب من المرض نفسه.

فحين يبدأ النور في الدخول إلى غرفةٍ مظلمة، لا ينكشف الظلام في لطفٍ دائم، بل يثور أحيانًا قبل أن يخرج.
وهكذا كانت سارة تمر بأيامٍ شاقة:
ضيق أشد.
بكاء غير مفهوم.
أحلام مزعجة.
إعياء جسدي.
نفور من بعض الأشخاص إذا ذُكروا.
وشعور كأن شيئًا يقاوم من داخلها الخروج.

وكان سعيد هو الآخر يُبتلى.
تعبٌ في بدنه.
وشرود.
وثقل في بعض الليالي.
وضغط العمل من جهة، وضغط البيت من جهة أخرى.

لكن ما كان يخفف عنهما أن كليهما لم يعد يقف وحده.
صارا يقفان كتفًا إلى كتف أمام عدوٍّ انكشف اسمه.

وذات مرة، بعد جلسة قراءة طويلة، خرجت سارة إلى الفناء الصغير وجلسَت تبكي.
جاءها سعيد، وجلس قربها دون كلام أولًا.
ثم قال:
— تعبتِ؟
قالت:
— تعبت… لكن التعب هذه المرة مختلف.
— كيف؟
— كأنني لا أنهار… بل أُنتزع من شيء كان يلتصق بي.

فأخذ يدها، وقال:
— وهذا يكفي. لا أطلب لكِ طريقًا بلا ألم، بل أطلب أن يكون الألم خارجًا لا داخلًا.

وفي خلال هذه السنوات الاربع، بدأت حقائق كثيرة تتساقط من الوجوه.

الأخت الكبرى لم تعد قادرة على إخفاء ارتباكها كلما قلّت أخبار البيت.
ابنها الأكبر صار يكثر السؤال عن أمورٍ لا تهمه.
أم الزوج السابق تبالغ في تتبع أخبار سارة وصحتها.
بعض بنات العم يسألن عن تفاصيل دقيقة لا يسألها محبٌّ صادق بل متربص.

وكانت سارة، كلما ربطت بين السؤال والضرر الذي يعقبه سابقًا، تشعر أن قلبها يتعلم درسًا مرًّا:
ليس كل من يستفسر يريد أن يطمئن.

وأما الأم التي ربتها، فقد بدأت تظهر عليها علامات اضطرابٍ غريب.
كانت إذا اتصلت بها سارة وجدت في صوتها ثقلاً، وفي عباراتها شيئًا من الحزن المكتوم الذي لا يخرج.
كأن المرأة تحمل فوق قلبها حجرًا قديمًا يزداد وزنًا كلما اقتربت ساعة انكشافه.