الجزء الرابع: حين تكلّم الغيب

الفصل التاسع والعشرون: الليلة التي جاء فيها النور

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل التاسع والعشرون: الليلة التي جاء فيها النور

كانت تلك الليلة أثقل من أن تُسمّى ليلةً عادية.

منذ العصر، وسارة تشعر أن صدرها يضيق على نحوٍ غريب، كأن الهواء نفسه لا يكفيها، وكأن البيت بكل غرفه قد تقلص حتى صار أصغر من وجعها.
وكان سعيد، على سعة عقله وصبره، قد بدا عليه هو الآخر أثر الإرهاق؛ عيناه متعبتان، وكتفاه تحملان فوقهما أكثر من ثقل العمل، وأكثر من ثقل الرجل الذي يريد أن يكون سندًا ولا يعرف بعد كيف يسمي العدو الذي يواجهه.

قال لها تلك الليلة، وهو يجلس في طرف السرير:
— تعالي نقرأ شيئًا من القرآن.
هزت رأسها بصمت، وجاءت وجلست بقربه.

فتح المصحف، وبدأ يقرأ بصوتٍ خافتٍ عميق.
كانت الآيات تنزل على الغرفة كالماء البارد على حجرٍ مسخون، لا تطفئه من أول لحظة، لكنها تبدأ في سحب النار منه.
أغمضت سارة عينيها، وشعرت بشيءٍ من الدموع ينسل من تحت جفنيها.
لم تكن تبكي من الحزن وحده، بل من ذلك الإحساس المرير الذي يزور القلب حين يفهم أنه لم يعد يملك شيئًا إلا الله.

وبعد أن فرغا من القراءة، نام سعيد من شدة التعب، أما هي فبقيت مستيقظةً برهة، تنظر إلى السقف، وتستعيد الأسابيع والشهور الماضية كلها دفعةً واحدة.

كيف تبدل هذا الزواج الجميل في زمنٍ قصير؟
كيف دخلت هذه الكآبة بيتًا بدأ بالرحمة؟
كيف صارت تخاف من غدها مع الرجل الذي أحبته حبًّا صادقًا؟
ولماذا تشعر ـ كلما اقتربت من أختها وأمها بشكواها ـ أن حالها يزداد سوءًا بدل أن يخف؟

مدّت يدها إلى قلبها، وهمست:
— يا رب… إن كنت تعلم أن هذا الذي نحن فيه من ظلم الناس، فأرنا. وإن كان من أنفسنا فأصلحنا. وإن كان بلاءً فاصبرنا. لكن لا تتركنا في العمى.

ثم نامت.

وفي النوم، رأت نفسها تمشي في أرضٍ لا تشبه بيتها، ولا القرية، ولا المدينة.
أرضٌ ساكنة، بين ظلمةٍ شفافة ونورٍ بعيد.
لا شمس فيها ولا قمر، لكن كل شيء فيها مرئيٌّ على نحوٍ عجيب، كأن الأشياء تستمد وضوحها من حقيقتها لا من الضوء المسلط عليها.

وكانت تمشي وحدها أول الأمر، حافية القلب أكثر من القدم، يملؤها الخوف دون أن تعرف ممّ.

ثم ظهر أمامها رجل.

لم يأتِ من باب، ولم تسمع وقع خطواته، لكنه كان هناك فجأة، حضورًا كاملًا لا يشبه أشباح المنام المائعة.
كان في هيئته وقارٌ مهيب، لا يروع الروح بل يسكّنها.
وجهه ليس وجه شيخٍ هرم، ولا شابٍ غضّ، بل وجه رجلٍ صقلته العبادة حتى صار فيه نورٌ من الطمأنينة، وعينان إذا نظرتا إليك شعرتَ أنهما تريان ما وراء لحمك ودمك، لكن من غير فضيحة، بل من غير ستر.

وقف أمامها، وقال بصوتٍ عميق صافٍ:
— يا ابنة الخير، لا تخافي.

اهتزت روحها عند العبارة.
كانت هذه أول مرةٍ منذ أشهر تسمع فيها خطابًا يلامس قلبها مباشرة من غير أن يتهمها أو يحمّلها ما لا تطيق.

قالت، في المنام، وهي كأنها طفلة ضائعة وجدت أخيرًا من تعرفه:
— من أنت؟
قال:
— عبدٌ من عباد الله، أُرسل إليكِ رحمةً وبشارةً وتحذيرًا.

ثم رفع يده، وإذا بالمشهد من حولها يتغير.

رأت بيتها.

لكنها لم تره كما تراه العين في اليقظة، بل كما يُرى الشيء إذا كُشف عنه ستره.
رأت زواياه كأن كل زاويةٍ منها تنبض بما أُخفي فيها.
ورأت بابًا كانت تدخله ولا تعلم أنه حُمل إليه أذى.
ورأت عتبةً علق بها شيءٌ من الخبث.
ورأت ناحيةً من الفراش، وموضعًا في المطبخ، وزاوية قرب نافذة، وأرضية تحت دولاب، وأشياء صغيرة مدفونة أو ملصقة أو موضوعة بعناية شيطانية.

وأخذ الرجل يسمي:
— هنا.
وهنا.
وهنا.

وكان كل موضعٍ يذكره يهتز في قلبها كأنه سهم من الحقيقة.

ثم قال:
— ما بكم ليس كله منكم.
ورفع نظره إليها مباشرة:
— حولكِ عيونٌ ليست لكِ. وآذانٌ ليست لنصحكِ. وأيدٍ تعمل في الخفاء لتفرق وتؤذي وتضعف.
ثم سمّى أسماء.

أسماء تعرفها.

الأخت الكبرى.
زوجها العجوز.
ابنها الأكبر.
ابنتها.
زوجها السابق وأمّه.
وجوه من الأعمام والعمات وبنات العم وزوجات الإخوة.
وأخذ يذكرهم واحدًا واحدًا، حتى شعرت سارة أن روحها ترتجف من هول ما تسمع.

قالت، وهي تكاد تختنق:
— أهلي؟
فقال الرجل، بصوتٍ لا قسوة فيه، لكنه حاسم:
— ليس كل من شارككِ الدم كان لكِ أهلًا في المودة.
ثم أضاف:
— وبعض من ظننتِ بهم خيرًا كانوا منفذًا للشر، وإن لم تفهمي ذلك من قبل.

وهنا شعرت في المنام بشيءٍ ينكسر داخلها.
ليس انكسار الثقة بالناس فحسب، بل انكسار الصورة كلها: صورة القرابة، وصورة الأمان، وصورة “الأهل” التي كانت تتمسك بها رغم كل الجراح.

وقالت بصوتٍ مرتعش:
— وماذا أفعل؟
فأشار الرجل إلى بيتها مرةً أخرى:
— استخرجوا ما أُخفي.
غيّروا موضعكم.
أغلقوا أبواب الأخبار.
اقطعوا مسارب الشكوى عمن لا يستر.
والتزما كتاب الله؛ ففيه دواؤكما وحصنكما.

ثم اقترب، على نحوٍ جعلها تشعر أن الكلام القادم أثقل من كل ما سبق، وقال:
— واعلمي… أنكِ لستِ من هذا البيت.

جمدت.

قالت:
— ماذا؟
لكن الرجل لم يجبها مباشرة.
بل قال:
— سيأتيكِ البيان بعد العلاج. اصبري.

ثم امتد النور من حوله، واستيقظت.