الجزء الثالث: زواجٌ تهتزّ له الظلال

الفصل الثالث والعشرون: ليلة الزواج

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثالث والعشرون: ليلة الزواج

لم تكن ليلة زواج سارة من تلك الليالي الصاخبة التي تعلو فيها الزينة على المعنى.
بل كانت، على خلاف ذلك، ليلةً يسكنها شيءٌ من الوقار الممزوج برجفة الفرح.

كانت ترتدي ثوبها الأبيض المحتشم في هدوء، وبين يديها ترتعش من أثر ما لا تصدق أنه حدث أخيرًا.
لم تكن تصدق أن الله نقلها من الفسخ والإهانة والشك إلى رجلٍ يقول عنها أمام الدنيا: هذه زوجتي، وأنا اخترتها.

جلست أمام المرآة قليلًا، لا لتتأمل جمالها، بل لتتأكد أنها هي نفسها.
هي ذات الفتاة التي كانت تبكي في الأعياد لأنها لا تملك ثوبًا جديدًا.
هي ذات المطلقة التي حملت وزرًا لم تصنعه.
هي ذات المريضة التي لم تفهم ما الذي ينهش قلبها وروحها.
فكيف صارت الليلة عروسًا لرجلٍ مثل سعيد؟

وفي المجلس الرجالي، كان سعيد أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكنه في عمقه كان شديد التأثر.
لم يكن هذا الزواج، بالنسبة إليه، مجرد استجابة لرغبة قلبه.
بل كان شعورًا بأنه استعاد شيئًا كتبه الله له بعد عمرٍ طويل من الانشغال.

وحين رآها في تلك الليلة، ساكنةً في حيائها، مطرقةً كأنها تخشى أن يفضح الفرح قلبها، أحسَّ أن ما في صدره ليس حبًا فقط، بل امتنان.

اقترب منها بعد أن خلا المكان بهما، وكانت ترتجف ارتجافًا ظاهرًا.
فجلس على مسافة تحفظ حياءها، وقال بصوته الذي صار مأوى لقلبها:
— لا تخافي.
رفعت إليه عينيها، وكان فيهما بريق دموعٍ حبيسة.
قال:
— الليلة يبدأ بيتٌ جديد، لا محكمة جديدة. أنا لا أريد منكِ إلا أن تهدئي.
ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة:
— ويكفيني أنكِ هنا.

عندها فقط، انفرجت في داخلها عقدة من عقد الخوف القديم.
لأنها فهمت، على نحوٍ كامل، أن الرجل الذي أمامها لا يراها وظيفة زوجة، بل يراها إنسانة دخلت حياته ليكرمها.

لكن خارج هذا الصفاء، كانت مؤامرات الظلال تتحرك حتى في ليلة العرس.
وشايات.
كلمات تنقل.
محاولات إفساد.
وألسنة ترسل سمّها هنا وهناك.
غير أن الله، بلطفه، ستر تلك الليلة، فلم تبلغهم الأذى كما أراد خصومهم.

وكانت تلك واحدة من آخر الليالي الهادئة قبل أن يبدأ الامتحان الأكبر.