الفصل السابع عشر: حين وصل الخبر إلى القرية
لم يكن الحب في قصتهما معزولًا عن العالم.
بل ما إن بدأ يتخذ صورةً واضحة، حتى تحركت حوله الذئاب.
خرجت سارة من مكتب سعيد ذلك اليوم وهي تحمل في روحها سرًا لم تعرف من قبل كيف يمكن للسر أن يكون نورًا بدل أن يكون عبئًا.
كانت تمشي في الممر، والناس أمامها كما هم، والأقسام كما هي، والأبواب نفسها، لكن العالم بدا لها مختلفًا، كأن لونًا خفيًا انسكب عليه.
لقد قالها.
وأرادها بالحلال.
ورآها كما لم يرها أحد.
ووعدها أن يكون طريقه إليها طريقًا مستقيمًا.
لكن الفتاة التي عاشت سنين بين الكمائن لا تسلم نفسها للفرح كاملًا.
كان في داخلها صوتٌ خافت يقول:
لن يتركوك.
وما لبث هذا الصوت أن أثبت صدقه.
ففي بيت أخيها، كانت زوجة الأخ ذات العينين المترصدتين تلاحظ كل شيء.
تلاحظ أن سارة عادت ذلك اليوم أهدأ من المعتاد.
أن شيئًا من الضوء استقر في وجهها.
أنها ـ على غير عادتها ـ لم تدخل غرفتها مثقلة منكفئة، بل بقيت لحظاتٍ في الصالة كأنها تحمل في داخلها خبرًا كبيرًا.
قالت لها زوجة الأخ بنبرةٍ مصطنعة:
— شكلك مرتاحة اليوم.
ابتسمت سارة ابتسامةً خفيفة، تحاول أن تكون عادية:
— الحمد لله.
لكن تلك المرأة لم تكن ممن تمرّ عليهم التغيرات بلا تفتيش.
كانت من النوع الذي يرى النور على وجه غيره فيظنه إهانةً شخصية.
وفي الليل، ما إن هدأت الأصوات، حتى أرسلت الرسالة الأولى.
ثم جاءت المكالمة.
ثم انتقل الخبر.
لا خبرٌ واضح، بل شبهةٌ تكفي لإيقاظ الأحقاد:
— يبدو أن مديرها معجب بها.
— يبدو أنها اقتربت من شيءٍ كبير.
— يبدو أنها تخرج من أيديكم.
وهنا اجتمع أهل الشر.
جلسوا في بيتٍ ثقيل الهواء، كأن جدرانه حفظت من قبل همسات الحسد حتى تشبعت بها.
وكان العجوز في صدر المجلس، عصاه بين يديه، وعيناه تضيقان كلما ذُكر اسم سارة.
قال بصوتٍ مبحوح:
— قلت لكم منذ أول يوم: هذه البنت لا ينبغي أن تُترك.
قالت الأخت الكبرى، وهي تلوّي طرف عباءتها بين أصابعها:
— المشكلة أن الله يفتح لها أبوابًا كلما أغلقنا واحدًا.
نظر إليها بازدراء:
— لأنكم تضعفون.
تدخل الابن الأكبر:
— لسنا نضعف، لكننا نحتاج خطةً أدق.
قال زوج سارة السابق، وفي صوته حقدٌ مجروح:
— إن تزوجتْ رجلًا صاحب مكانة، فلن نلحق بها ابدأ.
فانقضت أمّه عليه بنظرةٍ حادة:
—خرجت بحماقتك أولًا لم تكسر رقبتها.
ساد الصمت لحظة، ثم قال العجوز:
— من هو هذا الرجل؟
— مدير الشركة، هكذا قيل.
— نعرف عنه ماذا؟
— لم نعرف بعد.
هنا تحركت احدى بنات العم وقالت:
— أستطيع أن أقدم هناك.
وقال ابن العم:
— وأنا أبحث عن شخصٍ في الشركة.
وقالت إحدى زوجات الإخوة:
— والأخبار من البيت عندي.
وقالت بنت عمٍّ أخرى:
— وأنا أقرب إليها في الكلام، قد أستخرج منها ما تريدون.
كان المشهد كله أشبه بخلية عنكبوت تتحفز حول ذبابةٍ أفلتت من خيطٍ أول، ويريد الجميع استعادتها إلى المركز.
لكنهم لم يكونوا يعرفون، بعد، أنهم لا يواجهون فتاةً وحدها.
بل يواجهون قدرًا بدأ يتحرك.