الفصل السادس عشر: الاعتراف الصامت
مرّ شهرٌ آخر.
وفي ذلك الشهر، صار بين سعيد وسارة خيطٌ صامت يزيد كل يوم، من غير أن يُعلن أحدهما عنه لفظًا واضحًا.
كان يظهر في التفاصيل الصغيرة:
في نبرة السؤال.
في طول النظرة ثم انصرافها.
في دقة الملاحظة.
في حرص كل واحدٍ منهما ألّا يضع الآخر في موضع حرج أمام الناس.
وذات عصر، انخفض العمل، وخفّت الحركة في الأقسام.
واستدعاها سعيد إلى مكتبه لأمرٍ يخص بعض الملفات.
دخلت، فوجدته واقفًا عند النافذة، لا جالسًا خلف المكتب.
ولما التفت إليها، بدا في وجهه شيءٌ من التعب الذي يسبق القرارات الكبيرة.
قال:
— أغلقي الباب، من فضلك.
أغلقته.
أشار إلى المقعد، لكنها بقيت واقفة لحظة، ثم جلست على مهل.
أما هو، فلم يجلس فورًا، بل ظل واقفًا، كأن الجلوس سيجعله أقل قدرةً على قول ما يريد.
قال:
— سأقول كلامًا قد يغيّر أشياء كثيرة.
تسارع نبضها.
وضعت يدها على طرف حقيبتها حتى لا يظهر ارتجافها.
أكمل:
— وأنا لا أحب أن أقول شيئًا لا أزن عاقبته.
ثم سكت، وكأن الصمت نفسه يحتاج أن يمهّد لما بعده.
قالت في صوتٍ خافت:
— تفضل.
نظر إليها نظرةً مستقيمة عميقة، لا فيها خفة، ولا التواء، ولا رغبة رجلٍ يجرّ امرأةً إلى ضبابٍ لا اسم له.
بل كانت نظرة رجلٍ يقف أمام حقٍ في قلبه ويخشى أن يظلمه إن أخفاه أو إن قاله في غير موضعه.
قال:
— منذ اليوم الأول الذي دخلتِ فيه هذا المكتب، لم تعودي بالنسبة إليّ موظفةً فقط.
انقطع نفسها.
وشعرت أن قلبها يسمع قبل أذنيها.
أضاف:
— حاولت أن أتعامل مع الأمر بوصفه تعاطفًا… أو مسؤولية… أو تقديرًا لإنسانةٍ مجتهدة… لكني لم أعد أستطيع الكذب على نفسي.
ثم قالها:
— أنا أحبك.
لم تسقط الكلمة على الغرفة فجأة، بل نزلت فيها كما ينزل المطر الأول على أرضٍ تصدعت طويلًا من العطش.
سارة لم تتكلم.
ولا لأن الجواب لم يكن عندها، بل لأن الجواب كان أكبر من صوتها في تلك اللحظة.
أما سعيد، فقد أكمل ببطء:
— وأحبك حبًّا لا أقبله لنفسي إلا في الحلال، ولا أرضى أن يُقال بعده عني إني جرحت قلبًا أو عبثت بمشاعر امرأة.
ثم خفض صوته أكثر:
— لذلك لن أقول أكثر من هذا الآن إلا إذا كان في قلبك شيءٌ يشبه ما في قلبي.
هنا فقط رفعت نظرها إليه.
وكانت الدموع قد تجمعت في عينيها لا على هيئة ضعف، بل على هيئة إنسانٍ وجد أخيرًا كلامًا يطابق فراغه القديم.
قالت بصوتٍ متقطع:
— وأنا…
ثم سكتت، ومسحت دمعةً خانتها، وأضافت:
— وأنا منذ رأيتك شعرت أنني أعرفك.
أغمض سعيد عينيه لحظةً قصيرة، كأن قلبه تلقى يقينًا كان يخشاه ويشتهيه في وقتٍ واحد.
قالت، والعبارة تخرج من قلبها قطعةً قطعة:
— لا أعرف كيف أشرح… لكني حين رأيتك، شعرت أنني أقف أمام رجلٍ ليس غريبًا… كأن فيك شيئًا من الأب، والأخ، والسند، والرفيق…
ثم خفضت رأسها وقالت:
— وأحببتك.
كانت هذه أول مرةٍ تقول فيها امرأة لسعيد هذه الكلمة على هذا النحو النقي.
لا طمعًا.
ولا لعبًا.
ولا انبهارًا باسمٍ أو مقام.
بل اعترافًا صافياً خرج من روحٍ عرفت الوحشة طويلاً.
اقترب خطوةً واحدة فقط، لا أكثر.
وقال:
— إذن لا مكان بعد اليوم للخوف من جهتي.
رفعت عينيها إليه، وكأنها تستوثق:
— حقًا؟
— والله، لو كان بين يدي أن أمحو عن عمرك كل وجعٍ مضى لفعلت.
ثم، لأول مرة، جلس أمامها لا كمديرٍ وموظفة، بل كرجلٍ وامرأة يقفان عند بداية قدر.
وقال:
— سأتقدم لكِ زواجًا.
ارتعشت شفتاها، لا خوفًا هذه المرة، بل من ثقل الرحمة حين تأتي بعد طول المنع.
— زواجًا؟
ابتسم ابتسامةً خفيفة، وفيها حزم الرجل الذي إذا نوى مضى:
— نعم. لا أعرف طريقًا غيره.
وأحست سارة، في تلك اللحظة، أن الدنيا الواسعة كلها قد انكمشت في نقطة ضوء واحدة داخل قلبها.