الفصل الخامس عشر: في قلبه غرفةٌ فُتحت
كانت الأيام التالية أشد عليه من الأيام السابقة.
لقد صار يعرف الآن أن الفتاة التي دخلت عليه ذات صباح ليست مرورًا عابرًا.
صارت فكرته الأولى حين يستيقظ، وصورته الصامتة التي ترافقه بين الملفات والاجتماعات، والاسم الذي يمر في روحه بين حينٍ وآخر دون أن يناديه أحد.
وكان أكثر ما يربكه أن هذا الحب لم يأتِه على هيئة افتتان رجولي مباشر، بل على هيئة سكينةٍ عميقة.
كأنه، بدل أن يشتعل، صار يهدأ قربها.
وهذا أشد خطرًا وأعظم شأنًا.
جلس ليلةً في مكتبه بعد انصراف الموظفين، وفتح المصحف، محاولًا أن يردّ نفسه إلى توازنها المعهود.
قرأ، ثم أغلقه، وأراح يده على الصفحة.
قال في نفسه:
— يا سعيد، ما الذي تريد؟
ثم أجاب بصراحةٍ لم يملك دفعها:
— أريدها.
ارتدّت الكلمة في داخله على نحوٍ أخافه وأراحه معًا.
لأنه، أخيرًا، سمّى ما يجري باسمه.
لكن ماذا بعد؟
هو رجلٌ له عمره، وتجربته، ومكانته، وعائلته، وتاريخه.
وهي فتاة خرجت من قريةٍ مثقلة بالمكائد، تحمل جراحًا يعرف طرفًا منها ويجهل أكثرها.
فهل يكون اقترابه منها رحمة أم حملًا جديدًا عليها؟
وهل يكون من العدل أن يدخل حياتها على هيئة رجلٍ يريدها، أم عليه أن يظل واقفًا عند باب قلبه حتى يقضي الله أمرًا؟
أما سارة، فكانت تعيش من الجهة الأخرى المعركة نفسها.
كانت تحاول أن تضبط مشاعرها كما تضبط المرأة الكريمة ثوبها أمام الريح.
تقول لنفسها:
هو مديرك. رجل كبير. رجل له مقامه. لعلكِ تتوهمين لأنكِ جائعة إلى الأمان.
ثم تراه.
أو تسمع صوته.
أو تجد جملةً منه في أثناء العمل.
فتسقط هذه الحواجز كلها دفعةً واحدة، ليس لأن عقلها غلب، بل لأن قلبها ـ الذي حُرم طويلًا — وجد أخيرًا رجلًا لا يبتذله.
بدأت تشعر، وهي في حضور سعيد، بأحاسيس لم تعرفها من قبل:
أنها لا تحتاج أن تدافع عن نفسها دائمًا.
أن أحدًا يمكن أن يراها دون أن يفتش عن ضعفٍ يستغله.
أن الرجولة ليست صراخًا، ولا سلطةً بلا رحمة، ولا جسدًا يمشي في البيت، بل عقلٌ يطمئن القلب قبل أن يتكلم.
وكان هذا الاكتشاف وحده كافيًا ليجعلها تقع في هواه دون مقاومة.
لكن القدر، إذا فتح بابًا للنور، لا يترك الظلام ساكنًا.
ففي بيت أخيها في المدينة، كانت زوجة الأخ ترقب تغيرها.
ترى في وجهها شيئًا من الحياة عاد بعد طول خمود.
وتسمع اسم الشركة في ترددها.
وتفهم أن ثمة ما يتحرك خارج سيطرتهم.
فأرسلت الخبر.
وصل إلى الأخت الكبرى.
فإلى العجوز.
فإلى بقية الفريق.
وجلسوا ذات ليلة في مجلسٍ مغلق، تتوسطهم أكواب الشاي ورائحة نياتهم الفاسدة، وقال العجوز بصوتٍ خشن:
— لا يعجبني هذا الهدوء.
قالت الأخت:
— ولا أنا.
— الفتاة بدأت تقف على قدميها.
— نكسر قدميها قبل أن تمشي.
تدخل الابن الأكبر، وهو أشبههم بأبيه في القسوة:
— نحتاج أن نعرف من في الشركة. من هذا المدير؟ من حولها؟
قالت ابنة العم:
— وأنا أستطيع أن أرسل سيرتي للتوظف هناك.
ضحك العجوز ضحكةً قصيرة باردة:
— ارسلي. وإن لم تدخلي من الباب، دخلنا من نافذةٍ أخرى.
وهكذا، بينما كان الحب يفتح في قلبين نافذةً من رحمة، كان الشر يعدّ في الجهة الأخرى سلالمه الصاعدة إلى الأذى.