الفصل الرابع عشر: مكتب المدير، مرةً أخرى
مرّت أسابيع.
وأثبتت سارة نفسها في العمل أكثر مما توقع بعض الزملاء.
كانت تتعلم بسرعة، وتنجز بدقة، وتخجل من الخطأ خجلًا يدفعها إلى مضاعفة التركيز لا إلى الانسحاب.
وكان هذا النوع من النفوس نادرًا في زمنٍ اعتاد كثير من الناس فيه أن يبرروا نقصهم بدل أن يجاهدوا في إصلاحه.
وذات صباح، جاءها اتصال داخلي:
— الأستاذ سعيد يريدك في مكتبه.
ارتجف قلبها.
لم تكن تخافه، لكن كل لقاءٍ به كان يُحدث في داخلها اضطرابًا لا يشبه أي اضطراب آخر.
جمعت أوراقها، ونهضت، وسارت في الممر الذي حفظت تفاصيله منذ أول يوم، لكنها هذه المرة كانت أشد وعيًا به، لأن الباب الذي في آخره لم يعد، في وجدانها، مجرد باب مدير.
طرقت الباب.
— تفضلي.
دخلت.
كان جالسًا وراء مكتبه، لكنه لم يكن غارقًا في الملفات هذه المرة، بل كأنه كان ينتظرها فعلًا.
أشار إلى المقعد:
— اجلسي.
جلست.
قال:
— وصلني تقرير عن أدائك.
تجمدت أصابعها على حافة الحقيبة.
لاحظ خوفها، فخفف صوته أكثر:
— تقرير جيد.
تنفست.
ثم شعرت بشيءٍ يشبه الطفولة يعود إليها للحظة؛ ذلك الشعور النادر حين يُقال للإنسان: أحسنت.
قال:
— أنتِ تتعلمين أسرع مما توقعت.
رفعت رأسها، وكان في عينيها امتنانٌ حاولت إخفاءه:
— الحمد لله.
— والحمد لله أيضًا أنكِ لا تفتعلين الثقة. هذه ميزة.
ابتسمت ابتسامةً صغيرة جدًا، كأنها خرجت من مكانٍ بعيد داخلها:
— لأنني لا أملك ترف الافتعال.
نظر إليها مطولًا.
كانت الجملة في ظاهرها عابرة، لكن فيها من الحقيقة ما جعله يشعر أنه يسمع صوتًا آتيًا من قاع حياةٍ ثقيلة.
قال:
— يبدو أنكِ عشتِ كثيرًا مما لا يُقال.
أطرقت.
وللمرة الثانية، أحست أن هذا الرجل يرى خلف الكلمات.
لم تكن تريد أن تفتح أبواب حياتها كلها، لكن شيئًا في حضوره كان يجعل الصمت أقل تشددًا.
قالت:
— كل إنسان له نصيب من التعب.
— لكن ليس كل إنسان يصير التعب فيه بهذا العمق.
ثم ساد صمتٌ قصير.
كان مكتبه هادئًا، وضوء الظهيرة يدخل من الجانب، ويقع على طرف وجهه فيزيد ملامحه وقارًا.
وكانت تشعر ـ على نحوٍ أربكها وأراحها في آنٍ معًا ـ أن الجلوس أمامه لا يشبه الجلوس أمام رجلٍ غريب.
وفجأة، من غير مقدمة، سألها:
— هل تثقين بي؟
رفعت رأسها بسرعة.
كان السؤال غير متوقع، لكن نبرته لم تكن نبرة من يختبرها، بل نبرة من يبحث عن أرضٍ يقف عليها مع نفسه.
سكتت لحظة، ثم قالت الحقيقة دون حساب:
— نعم.
كأن الإجابة أصابته في موضعٍ مكشوف.
خفض بصره إلى القلم بين أصابعه، ثم قال:
— هذا كثير.
— لا أعرف لماذا… لكني أشعر أنك…
وتوقفت.
رفع عينيه إليها:
— أني ماذا؟
احمرّ وجهها قليلًا، وقالت بصوتٍ خافت:
— أنك لا تريد لي الأذى.
لم يكن الكلام، في ميزان اللغة، جملة حب.
لكنه، في ميزان رجلٍ يعرف كم ندر أن تقول امرأة عذبتها الحياة هذه العبارة بهذه الصدق، كان أعظم من كثيرٍ من الكلام الكبير.
قال سعيد، ببطء:
— وأنا، منذ رأيتك، أشعر أنني لا أريد أن يمسك سوءٌ ولو بطرف ثوبك.
وسكتا.
وكان الذي جرى بينهما في تلك اللحظة أخطر من تصريح، وأصدق من مجاملة، وأعمق من إعجاب.
لقد كانت روحان، كلتاهما مثقلة بطبقاتٍ من العمر والتجارب، تعترفان لنفسيهما ـ للمرة الأولى — بأن بينهما شيئًا لا يُصنع، بل يُكتشف.
خرجت من مكتبه يومها وقلبها ليس كما دخل.
أما هو، فجلس وحده بعد أن غادرت، وأدرك أنه لم يعد قادرًا على تسمية الأمر حيادًا أو تعاطفًا أو رعاية إدارية.
لقد بدأ الحب.