الفصل الثالث عشر: المدينة ترى ما أخفته القرية
مع الأيام، بدأت سارة تشعر أن المدينة لا تعطي الناس عطفًا مباشرًا، لكنها تمنحهم شيئًا أثمن أحيانًا:
أن يمروا دون أن يُفتش أحد في جروحهم كل لحظة.
كانت تذهب إلى العمل صباحًا، وتعود إلى الغرفة التي استأجرتها في بيت أخيها في المدينة.
ولم يكن البيت، في حقيقته، بيت أمان كامل؛ لأن زوجة أخيها كانت واحدةً من بنات العم، ومن أولئك الذين يحملون في داخلهم حقد القرية أينما ذهبوا.
لكن مجرد خروجها اليومي إلى الشركة كان يشبه التنفس خارج غرفةٍ خانقة.
كانت ترى في المدينة بناتٍ يعملن.
نساءً يدخلن ويخرجن.
رجالًا يتحدثون بلغةٍ أقل فجاجة.
وأدركت لأول مرة أن هناك عالمًا لا يُقاس كله بمنطق القرية، ولا تُحدَّد فيه قيمة المرأة فقط بكونها زوجةً أو مطلقةً أو ابنة فلان.
هذا الإدراك لم يجعلها متكبرة، بل جعلها أكثر وجعًا على نفسها.
كم سنةً ضاعت وهي تظن أن العالم كله ضيقٌ كبيتهم، وقاسٍ كقلوب أقاربها، وملتوٍ كخططهم؟
ومع ذلك، لم تكد بوادر التغير تظهر على حياتها، حتى بدأت الغيرة تنهش من حولها.
انتشر خبر عملها بين الأقارب كما تنتشر النار في هشيم الحسد.
قالت إحدى بنات العم:
— كيف توظفت بهذه السرعة؟
وقالت أخرى:
— نحن أحق منها، نحن من المدينة أصلًا.
وقالت زوجة الأخ، وهي تضرب الملعقة في القدر بعنف:
— لا بد أن وراء الأمر شيئًا.
وكانت الأخت الكبرى، حين بلغها الخبر، تضيق عيناها وتقول لزوجها العجوز:
— قلت لك منذ سنين إن هذه البنت لا ينبغي أن تُترك.
فيمسح الرجل على لحيته الشاحبة، ويجيب:
— ما دام قلبها ينبض، فالحرب معها قائمة.
ثم بدأت الاجتماعات الصغيرة.
مجالس النساء المغلقة.
الكلام الذي يقال همسًا أولًا ثم يتحول إلى خطة.
من يراقبها؟
من يعرف أين تذهب؟
من يمكن إدخاله إلى الشركة؟
من يستدرجها في البيت؟
من يأخذ منها ما يمكن أن يُعمل به أذى جديد؟
وكان فريق الشر يتسع في هذه المرحلة حول ستة عشر وجهًا، لكل وجهٍ قناع، ولكل قناع نيّة.
الأخت الكبرى.
زوجها العجوز.
ابنها الأكبر.
ابنتها.
زوج سارة السابق.
أمه.
ابن العم الخاطب المرفوض.
ثلاثة من الأعمام.
بعض زوجات الإخوة.
بعض بنات العم.
ورجالٌ ونساءٌ يتحركون بينهم بحسب المنفعة، لا بحسب الوفاء.
أما سارة، فكانت لا تزال ترى بعضهم أهلًا، وتظن أن ما يصدر من بعض القسوة ليس إلا طبائع معوجة، لا حربًا كاملة عليها.
وهنا كانت مأساتها الكبرى:
أن قلبها، رغم ما ذاق، ظلّ بريئًا أكثر مما ينبغي.