الجزء الثاني: حين دخلت المدينة

الفصل الحادي عشر: الرجل الذي كان يبحث عن شيءٍ لا اسم له

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الحادي عشر: الرجل الذي كان يبحث عن شيءٍ لا اسم له

لم يكن سعيد من الرجال الذين تزلزلهم الوجوه سريعًا.
بل كان، على امتداد عمره، رجلًا عاش كثيرًا من الحياة حتى صارت دهشتها أقل من أن تستولي عليه بسهولة.

عرف التجارة، وتقلباتها، وخيبات الشراكات، ومجالس الكبار، وثقل القرار.
وعرف كيف يُستشار في الأزمات، حتى صار أهل السلطة والقرار إذا ضاق عليهم أمرٌ أو اشتدت فتنة، قال بعضهم لبعض:
— اطلبوا سعيدًا.
وكان يأتي، لا بكثرة كلام، بل بوضوحٍ يردّ الفوضى إلى أماكنها، ويعيد للأمور نسبها الصحيحة.

تزوج مرتين.
وأنجب أولادًا وبنات.
وأدى أدواره كما يؤدي الرجال واجباتهم في زمنٍ مزدحم.
لكنه، في أعماق قلبه، ظل يحمل فراغًا لا يعرف له اسمًا.

لم يكن فراغ شهوة.
ولا فراغ رجلٍ مدلل يطلب ما ليس عنده.
بل فراغ شخصٍ عاش حياته منشغلًا بالمسؤولية، حتى كاد ينسى أن في داخله طفلًا أبيض لم يُمسّ بالحب الحقيقي.

كان، في بعض لياليه، يجلس وحده في مكتبه بعد انصراف الجميع، ويشعر أن نجاحه الواسع يشبه دارًا كبيرة كثيرة الغرف، لكن في وسطها غرفة مغلقة لا يدخلها أحد.

ولم يكن يدري أن مفتاحها سيدخل عليه ذات صباح، في ثوبٍ بسيط، وملفٍ متواضع، وعينين منهكتين من كثرة ما احتمَلتا من وجع.

بعد خروج سارة من مكتبه ذلك اليوم، حاول أن يعود إلى عمله.
فتح ملفين.
رد على اتصالين.
قرأ تقريرًا.
لكن ذهنه لم يستقم على شيء.

كانت صورتها، كما رآها أول مرة، تتردد أمامه بإلحاحٍ غريب.
لا بوصفها امرأة جميلة فحسب ـ مع أنها كانت جميلة على نحوٍ لا يحتاج إلى تزيين — بل بوصفها سؤالًا قديمًا هبط فجأة في حياته.

قال في نفسه، وهو يقف عند النافذة:
— ما هذا الذي أصابك يا سعيد؟
ثم ردّ على نفسه بلهجةٍ أقرب إلى الاعتراف:
— كأنني رأيتها قبل اليوم.
ثم سكت.
ولم يجرؤ أن يكمل العبارة التي خطرت له:
— أو كأن روحي رأتها.

كان هذا النوع من الأفكار يربك رجلًا مثله، يزن الأمور بميزان العقل، ولا يسمح للخيال أن يعبث بقراراته.
لكنه، في ذلك اليوم، شعر للمرة الأولى أن العقل لا يكفي لتفسير كل شيء.

وفي الليل، حين عاد إلى بيته، كان أكثر صمتًا من المعتاد.
سألته زوجته عن أمرٍ من أمور البيت، فأجاب.
كلمه أحد أبنائه، فرد عليه.
لكنه كان غائبًا عن التفاصيل، كأن نفسه قد وقفت في موضعٍ آخر، ولم تعد بعد.

ولم يبح لأحد.

كيف يشرح لرجلٍ أو امرأةٍ أنه رأى فتاةً للمرة الأولى، فإذا بقلبه يتصرف وكأنه استعاد شيئًا ضاع منه منذ زمن بعيد؟

لقد كان يعلم أن كثيرًا من الرجال يمرون بموجات إعجاب عابرة، لكنه لم يكن واحدًا منهم.
بل كان يحتقر اللعب بالمشاعر، ويرى أن الرجال الحقيقيين لا يبعثرون القلوب من أجل نزوات عابرة.