الجزء الثاني: حين دخلت المدينة

الفصل التاسع: الطريق إلى النافذة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل التاسع: الطريق إلى النافذة

في بعض الصباحات، لا يكون الفجر مجرد بداية يوم، بل يكون أشبه بعتبةٍ خفية بين حياةٍ توشك أن تنتهي وحياةٍ أخرى تستعد أن تولد.

استيقظت سارة ذلك اليوم قبل الأذان بقليل.
لم يوقظها أحد.
بل أيقظها ذلك القلق الثقيل الذي يسكن المرء إذا كان مقبلًا على شيءٍ لا يدري: أهو باب خلاص أم باب خيبة جديدة؟

جلست على فراشها في الغرفة الصغيرة، وأصغت إلى صوت الليل وهو يتراجع ببطء.
البيت ساكن.
الجدران الباردة نفسها.
السقف نفسه الذي شهد بكاءها الطويل.
والهواء الذي يدخل من النافذة الضيقة محمّل برائحة التراب القديم.
لم يتغير شيء حولها، لكن شيئًا ما في داخلها كان يتحرك، كأن قلبها يعرف أن هذا اليوم ليس يومًا عاديًا.

قامت فتوضأت.
وكان الماء البارد ينساب على يديها كأنه يوقظ في أعماقها معنى افتقدته طويلًا: أن الإنسان، مهما ثقل عليه العالم، يستطيع أن يقف بين يدي الله نظيفًا من الداخل ولو لحظات.

صلّت، ثم أطالت السجود.

لم تكن دعواتها كثيرة الكلمات.
كانت أبسط من أن تُكتب، وأصدق من أن تُنسى.

همست:
— يا رب… أنت تعلم أنني لا أطلب منصبًا ولا تفاخرًا… أنا أطلب نجاةً لا أكثر.
ثم سكتت قليلًا، وغصّت عبارتها الأخيرة في حلقها قبل أن تخرج:
— يا رب، لا تردني كما عدت من قبل.

ولما أنهت صلاتها، ظلت جالسة على السجادة القديمة، تنظر إلى الضوء الخفيف الذي بدأ يتسلل من طرف النافذة، وتشعر بذلك الفراغ المؤلم الذي يسبق القرارات الكبيرة.
كانت قد سمعت بخبر الوظيفة في شركةٍ بالمدينة، ولم تكن تثق أن اسمها، القادم من قريةٍ هامشية، يمكن أن يُرى بين أسماء المتقدمات.
لكنها، رغم ذلك، أعدّت أوراقها، ورتبت شهادتها، ولبست ثوبها المتواضع بعناية من يريد أن يبدو محترمًا أمام الدنيا، حتى وإن كانت الدنيا لا تعرف كم تعب لأجل أن يظهر بهذا القدر من التماسك.

خرجت من البيت بهدوء.

لم يسألها أحد أسئلةً كثيرة.
فالبيت اعتاد أن يترك أفراده يذهبون إلى شؤونهم كلٌّ وهمّه، من غير أن يفيض عليهم بالاهتمام.
لكن أمها، وهي تمرّ من جانبها، نظرت إليها نظرةً خاطفة طويلة، كأن فيها كلامًا لم يُقل.
ثم قالت بلهجةٍ جافة أرادت أن تخفي بها ارتباكها:
— انتبهي لنفسك.

كانت جملةً عادية في ظاهرها، لكنها وقعت على قلب سارة في ذلك الصباح وقوع المطر على حجرٍ عطشان.
رفعت رأسها بسرعة كأنها تريد أن تسمع شيئًا أكثر، لكن المرأة كانت قد أشاحت بوجهها ومضت.

خرجت سارة إلى الطريق، وحملت حقيبتها الصغيرة، وركبت السيارة المتجهة إلى المدينة.

كان الطريق طويلًا بما يكفي لأن تعود إليها حياتها كلها دفعةً واحدة.

القرية تبتعد.
الجبال الصامتة تمرّ.
أطراف الأرض اليابسة تترى تحت عينها، وهي تحدق من النافذة وكأنها تنظر إلى شيءٍ أكبر من المشهد نفسه.
كانت تتذكر طفولتها، وعيدها الحزين، وزواجها القصير المهين، وأيامها التي مرت كأنها تُدفع فيها دفعًا لا اختيارًا.
ثم خطر لها خاطرٌ سريع أخافها:

وماذا لو فشلت هذه المحاولة أيضًا؟

أغمضت عينيها.
وشدت على حقيبتها.
ثم قالت في نفسها:
يكفيني أنني طرقت الباب.

ولما بدأت معالم المدينة تظهر من بعيد، أحست كأن قلبها يتقدمها بخطوات.

كانت المدينة، بالنسبة إليها، عالمًا آخر.
ليست فقط أبنيةً أعلى، ولا شوارع أكثر اتساعًا، بل إيقاعًا مختلفًا للحياة.
فيها وجوه لا تعرف بعضها.
وفي هذا، بالنسبة لروحٍ أنهكتها المراقبة، راحة عظيمة.

نزلت من السيارة، وسألت عن مقر الشركة.
ومشت، وفي مشيتها شيءٌ من التردد، وشيءٌ من الإصرار الذي لا يعرف صاحبه من أين جاء.

وكان القدر، في تلك اللحظات، لا يعدّ لها وظيفةً فحسب.

كان يعدّ لها اللقاء الذي سيغيّر طريقة تنفسها، ونظرها إلى نفسها، وعلاقتها بالأيام، بل وعلاقتها بما سمّته طويلًا: النجاة.