الجزء الأول: سرُّ المهد

الفصل الرابع: المدرسة… النافذة الوحيدة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الرابع: المدرسة… النافذة الوحيدة

كانت المدرسة القريبة من المنزل متهالكةً كأنها ناجية من زمنٍ أقدم من زمنها.
جدرانها شاحبة، شبابيكها تصرّ إذا فُتحت، ومقاعدها الخشبية كأنها تحفظ أسماء أجيالٍ كاملة من التلميذات الفقيرات.

لكن سارة، ما إن دخلتها، حتى أحست أنها دخلت أول مكانٍ لا يطلب منها أن تكون أقل مما هي عليه.

في البيت كانت صغيرةً تُؤمر.
في القرية كانت بنتًا تُراقب.
أما في المدرسة، فقد كانت عقلًا يلمع.

كانت تلتقط الدرس بسرعةٍ تُربك المعلمات أحيانًا.
وتحفظ ما يُملى عليها كأن الكلمات تجد في ذاكرتها بيتًا مهيأً لها.
وحين تكتب التعبير، أو تجيب عن سؤالٍ يحتاج إلى فهم، كانت تضع في الورقة ما يتجاوز عمرها.

قالت لها إحدى المعلمات يومًا، وهي تقلب كراستها:
— يا سارة، من يساعدك في البيت؟
هزت رأسها:
— لا أحد يا معلمتي.
نظرت إليها المعلمة طويلًا:
— إذن هذا الذي عندك رزقٌ من الله.

كانت هذه الجملة تبقى معها أيامًا.
رزقٌ من الله.
ربما لهذا كانت تتمسك بالعلم، لا لأنه طريق نجاحٍ فقط، بل لأنه الشيء الوحيد الذي جعلها تشعر أن فقر المكان لا يستطيع أن يسرق كل شيء.

وكانت بعض المعلمات ينظرن إليها بحنانٍ خاص.
لا حنان الشفقة، بل حنان الاكتشاف.
يرين فيها مشروع امرأةٍ كبيرة لم تُتح لها البيئة التي تليق بها.

وذات يوم، بعد انتهاء الدوام، استوقفتها معلمة اللغة العربية.
قالت لها:
— يا بنتي، أنتِ لا تشبهين من حولك.
ارتبكت سارة:
— ماذا تقصدين؟
ابتسمت المعلمة:
— أقصد أن الله وضع فيكِ شيئًا لن يسمح لهذا المكان أن يدفنه، إن أنتِ تمسكتِ به.
خفضت سارة عينيها وهمست:
— أخاف أن يضيع.
قالت المعلمة:
— لا يضيع ما كان بينك وبين الله.

لكن المدرسة لم تكن فقط نافذة علم.
كانت أيضًا مكانًا ترى فيه الفارق بين عالمين.

كانت تذهب أحيانًا إلى المدينة في فترات قصيرة خلال السنة، فتعود وقد امتلأت عيناها بمشاهد لا تشبه قريتها:
طرق أوسع، وجوه مختلفة، ثياب مرتبة، بنات يعرفن من الزينة والكماليات ما لم تعرفه هي، وبيوت فيها شيء من الرفق بالحياة.

ثم تعود إلى القرية، فيشتد بداخلها ذلك الإحساس القديم:
هناك شيء ليس في موضعه.