الفصل الثالث: طفولة باهتة تبحث عن يد
لا يتذكر الأطفال عادةً تفاصيل الجوع فقط، بل يتذكرون أيضًا نقص الحنان.
ذلك النقص الذي لا يترك ندبةً في الجلد، بل يتركها في طريقة النظر إلى العالم.
كانت سارة، وهي صغيرة، تقوم مع الفجر أحيانًا قبل أن يوقظها أحد، لا حبًا في الاستيقاظ المبكر، بل لأن البيت كان قد علّمها أن الطفولة ترف، وأن من يعيش فيه عليه أن يصحو سريعًا قبل أن تصحو الهموم الأكبر.
كانت تساعد في أشياء كثيرة تفوق سنها.
تحمل، وتنظف، وتتابع بعض شؤون البيت، ثم تذهب أحيانًا مع أبيها إلى الأرض، أو ترعى بعض الغنم، أو تساعد في أعمال الزراعة على قدر ما تستطيع يداها الصغيرتان.
كان أبوها، في بعض اللحظات النادرة، ينظر إليها بشفقةٍ متعبة.
يرى أنها تختلف عن الجميع، لكنه لا يعرف كيف يحمي ما لا يفهمه.
ربما ناولها تمرةً إضافية.
ربما قال لها:
— روحي ارتاحي شوي.
ثم يعود إلى صمته.
أما الأم، فكان قلبها كالصخر الذي أخفته النار في الداخل.
لا تعانق كثيرًا، ولا تدلل، ولا تمدح.
وقد يحدث أن تنظر إلى سارة وهي نائمة، فيمرّ على وجهها حزنٌ خاطف، ثم تقوم وتكمل يومها كأن شيئًا لم يكن.
وكانت سارة، في الأعياد، تنكسر أكثر من الأيام العادية.
تستيقظ صباح العيد فتسمع تكبيراتٍ بعيدة، وترى بنات الجيران وقد ارتدين الجديد، وتلمح رائحة الطيب والكحل والفرح الخفيف الذي يمر في الأزقة.
أما هي، فتقف أمام ثوبها البسيط، تحاول أن تقنع نفسها بأنه يكفي.
ثم تنتظر من أحد إخوتها القليل من المال لتشتري شيئًا صغيرًا.
شريطًا لشعرها.
حذاءً أقل اهتراءً.
قطعة زينة زهيدة تشعرها أنها أنثى مثل سائر البنات.
لكن القليل كان كثيرًا على البيت.
والفرح كان يتسرب منه قبل أن يكتمل.
فتكتفي بما تجد، وتبتسم حين يجب أن تبتسم، ثم تعود في الليل لتبكي أحيانًا دون أن يعرف أحد.
كانت تبحث عن يدٍ حانية.
عن امرأةٍ تجلس بجوارها وتقول لها: أنت جميلة.
عن أخٍ يشتري لها ثوبًا دون أن تشعر أنها عبء.
عن بيتٍ فيه من العاطفة ما يكفي ليصير الجدار مأوى لا مجرد حدٍّ بين الداخل والخارج.
لكنها لم تجد.
ولهذا، كانت تلجأ إلى الله في سنٍّ مبكرة على نحوٍ عجيب.
كانت تقوم إلى الصلاة، وتطيل الجلوس على سجادةٍ قديمة، ولا تدري تمامًا لماذا تشعر هناك وحده أنها مرئية.
أن هناك من يفهم ذلك الوجع الذي لا تستطيع هي نفسها أن تشرحه.
أن هناك من يسمع حين لا يسمع البيت.
ويرى حين لا يرى الناس.
ويعدها بشيءٍ لا تعرفه، لكن قلبها الصغير كان يطمئن إليه.