الفصل الثاني: الطفلة التي جاءت إلى بيتٍ لا يعرفها
عادت المرأة التي ربّت صفية إلى قريتها وهي تحملها بين يديها، وتظن أنها ابنتها.
لم تكن امرأةً حنونًا بالمعنى الكامل الذي تُروى عنه القصص، ولم تكن أيضًا شيطانةً كما قد يظن من يرى ما سيجري لاحقًا.
كانت امرأةً مسحوقة، جافة الملامح، متعبة الروح، تشبه الأرض التي لم يمسسها المطر منذ زمن.
في داخلها خوفٌ قديم من العجوز، وخضوعٌ ثقيل لأوامره، وعجزٌ متراكم عن قول “لا” في اللحظة التي ينبغي أن تُقال فيها.
وكان قد أخبرها، في وقتٍ متأخر، بما لا يجعلها شريكةً كاملة، ولا بريئةً كاملة.
قال لها يومًا، بعد عودتها من المدينة:
— هذه البنت قُسمت لك، فخذيها ولا تسألي.
فقالت في ذعر:
— ماذا تعني؟
فنظر إليها بعينين قاسيتين:
— يعني أنك إن أردتِ السلامة، فالسلامة في الصمت.
ومنذ ذلك اليوم، حملت الصغيرة وهي لا تدري أتبكي عليها أم تخاف منها أم تخاف بسببها.
صارت تنظر إليها أحيانًا وكأنها تتساءل: من أين جاءت هذه الملامح؟
فالبنت لا تشبه الأب، ولا تشبهها هي، ولا تشبه إخوتها الذين سبقوها.
لكن من أين لها أن تفتش في أسئلةٍ أكبر من حياتها؟
الفقر لا يمنح أصحابه رفاهية البحث الطويل في الغوامض.
إنه يجعلهم يكتفون بما يحفظ اليوم من الانهيار.
أما الأب الذي ربّى صفية، فكان شيخًا تجاوز الستين، وقد أثنت السنون ظهره قبل أوانها.
في وجهه غبار أعوامٍ طويلة من الزراعة والرعي والكدح، وفي يديه عروقٌ بارزة كجذور شجرةٍ عجوز شربت قليلًا من الماء وكثيرًا من التعب.
لم يكن شريرًا، لكنه كان منهك الإرادة، يطأطئ رأسه أمام صراخ زوجته، ويسكت عن كثيرٍ مما لا يحب، حتى صار السكوت جزءًا من تكوينه، وصار العجز سترًا يلبسه كل يوم.
نظر إلى الصغيرة حين جاؤوا بها، ومسح على رأسها بيده الخشنة وقال:
— الحمد لله على العافية.
لم يتساءل.
لم يقترب من تفاصيل الأمومة والولادة والمستشفى وما وراءها.
فالرجال البسطاء في مثل بيئته كانوا يكتفون بما يُقال لهم، ما دامت الحياة تمضي، والمولودة تتنفس، والبيت لم يسقط.
لكن الطفلة التي سمَّوها لاحقًا سارة كانت منذ أيامها الأولى تبدو كأنها نُقلت إلى مكانٍ أضيق من روحها.
كبرت بين سبعة إخوة، لا يجمع بينهم إلا السقف، أما القلوب فكل قلبٍ مشغول بحاله، مرهقٌ بما عليه، بعيدٌ عن غيره.
البيت ليس فيه حنانٌ فائض، ولا عاطفةٌ تتسكع بين الغرف، ولا جلساتٌ تُروى فيها الحكايات الدافئة قبل النوم.
كل شيء فيه عملي، خشن، سريع الانطفاء.
الجدران إسمنتية عارية إلا من أثر الرطوبة والغبار.
الأرضية باردة.
الصوت إذا ارتفع في البيت بقي يتردد كأنه لا يجد ما يمتصه من مودة.
الأواني تصطك ببعضها بصوتٍ جاف، وكلام الأم يحمل دومًا حدةً من ضاق صدره بالحياة حتى لم يعد يعرف كيف يلين.
وكانت الأخت الكبرى، التي تكبر سارة بخمسة عشر عامًا، تتحرك في البيت بخطوات امرأةٍ تعرف أسراره.
تضحك للصغيرة أحيانًا، تمشط شعرها أحيانًا، تدس لها لقمةً ساخنة في يدها أحيانًا، ثم تلتفت عنها بعينين غائمتين لا يرى فيهما المرء إلا شيئًا من التملك وشيئًا من الحقد.
ستكبر تلك الأخت، وستتزوج العجوز نفسه، وسيكون بينهما من التواطؤ ما يجعلها ذراعه في البيت وعينه في المؤامرات.
لكن سارة، في طفولتها، لم تكن تعرف من ذلك شيئًا.
كل ما كانت تعرفه أن أختها الكبرى تقترب منها أكثر من بقية البيت، وأن في هذا الاقتراب دفئًا تشتاق إليه، ووخزًا خفيًا لا تستطيع تسميته.
كانت القرية التي نشأت فيها قريةً خارج المدينة، بعيدةً عنها بما يكفي لتبقى الروح فيها محاصرة بنظامٍ خاص من الجهل والعادات والغيرة والسحر والخرافة.
هناك، لا يُعدّ الحسد خطيئةً بقدر ما يُعدّ ردَّ فعلٍ مفهومًا على النعمة.
ولا يُستنكر أن يُذهب المرء إلى امرأةٍ خبيثة أو رجلٍ مشعوذ ليأخذ “عملًا” يقطع به رزق فلان أو يفرق به بين زوجين أو يربط به امرأةً عن الزواج.
وكان العجوز، بشبكته القديمة، يتنقل في تلك المساحات المظلمة كأنه إمام الخراب غير المتوج.
لم تكن سارة تفهم هذا العالم في طفولتها.
لكنه كان يتسرب إليها في صورة ضيقٍ لا تفسير له، ونظراتٍ لاذعة، وهمساتٍ تنقطع إذا اقتربت.
وكلما كبرت، ازداد ذلك الشعور الغريب في أعماقها:
أنا لا أنتمي إلى هذا المكان.
لم تكن تقولها بصيغةٍ واضحة.
بل كان إحساسًا غامضًا يمرّ في صدرها مثل نسمةٍ خاطفة:
حين تنظر إلى أخوتها فلا ترى شبهًا.
حين تنظر إلى نساء العائلة فلا تجد في وجوههن شيئًا من وجهها.
حين تسمع لحن الكلام، وطبائع الناس، وانفعالات البيت، ثم تشعر أنها غريبة حتى عن الطريقة التي يغضبون بها.
لكن من يصدق طفلةً تقول إنها تشعر أنها خُلقت في غير هذا البيت؟