الفصل الأول: ليلةُ الاستبدال
في تلك الليلة، كانت السماء فوق المدينة ساكنةً على نحوٍ يسبق الأسرار الكبرى.
الهواء عليل، والأضواء الممتدة قرب الحرم باهتة من شدة السكينة، والناس بين مصلٍّ وعائدٍ إلى بيته، وبين مريضٍ يرجو العافية، وغريبٍ يرجو البركة.
داخل المستشفى، كانت رائحة المطهرات تمتزج بأنين النساء، وبخطوات الممرضات، وبالأدعية المتقطعة التي تخرج من أفواه الأزواج الواقفين في الممرات، لا يملكون لنسائهم إلا الانتظار.
في غرفةٍ من الغرف الداخلية، كانت مريم بنت فخر الدين على فراش الولادة، تتصبب عرقًا، بينما كانت كفها اليسرى تقبض على طرف الملاءة، وكفها اليمنى تبحث في الهواء عن يد زوجها.
وكان زوجها تقي الدين بن صفي الدين يقف عند الباب، لا يسمحون له بالدخول، لكنه كان يرفع يديه بين حينٍ وحين، ويتمتم بما يحفظ من الدعاء.
لم يكن رجلًا عاديًا.
كان عالمًا جاهد في بلاده، وتربى في بيت علمٍ وورع، وحملته الأيام إلى العمرة وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء وزوجته إلى المدينة وهما يظنان أن رحلتهما ستنتهي بطمأنينةٍ تامة.
لكنهما لم يكونا يعلمان أن الرحلة ستنتهي بفقدٍ لا اسم له.
قالت القابلة، وهي تنظر إلى مريم:
— تنفسي… أحسنتِ… بقي قليل.
كانت مريم تبكي في صمت، لا من الخوف وحده، بل من وحشة الغربة.
همست:
— يا رب، هوّن عليّ… يا رب، لا تجعل أول فرحي في غربتي مغموسًا في وجع.
وفي الغرفة المجاورة، كانت امرأةٌ أخرى تضع حملها أيضًا؛ امرأة من بيئةٍ فقيرة، من قريةٍ خارج المدينة.
ولدت طفلتها في الليلة نفسها، وفي الساعات نفسها تقريبًا.
وفي الممر الطويل الذي يفصل بين الغرف، كان هناك رجلٌ عجوز.
ليس من أهل المرض، ولا من أهل البراءة، بل من أهل التدخل فيما لا حق له فيه.
عصاه تضرب الأرض ضربًا خفيفًا، وثوبه قديم، ووجهه من النوع الذي تشعر نحوه الأرواح السليمة بنفورٍ لا تفسير له.
عيناه صغيرتان، لكنهما لا تكفان عن الحركة؛ كعيني حيوانٍ عجوز أدمن التخفي في الخرائب.
كان يعرف بعض العاملات.
وكانت بعضهن تعرفه أكثر مما ينبغي.
ولم يكن حضوره هناك صدفةً.
دخلت إحدى الممرضات إلى زاوية الممر، فاقترب منها وقال بصوتٍ خفيض:
— الليلة هي الليلة.
التفتت حولها في قلق:
— أخفض صوتك. المكان ليس لك.
مال عليها أكثر:
— وما دام ليس لي، فقد جئتُ لأصنع فيه ما أريد.
قالت بارتجاف:
— هذا أمر خطير.
ابتسم ابتسامةً يابسة:
— كل الأمور الخطيرة تبدأ بخطوةٍ صغيرة، ثم ينسى الناس كيف بدأت.
كانت المرأة ترتجف لا من هيبته، بل من نوع الخوف الذي يولّده الإنسان حين يكون قد تورط قديمًا، ثم صار غير قادر على الرجوع.
وفي تلك اللحظات نفسها، كانت الطفلة الأولى قد خرجت إلى الدنيا.
صرخت صرخةً خفيفة قصيرة، ثم هدأت بسرعةٍ عجيبة.
حملتها القابلة، ومسحت وجهها، ولفتها بقماش أبيض، ثم قالت:
— بنت.
في الخارج، حين سمع تقي الدين الكلمة، أغمض عينيه وابتسم، كأن الدعاء الذي صعد من قلبه منذ أشهر هبط إلى ذراعيه روحًا صغيرة.
تمتم:
— الحمد لله… الحمد لله.
أدخلوا إليه المولودة بعد حينٍ يسير، فحملها بين ذراعيه بارتباكٍ جميل لا يُعرف إلا في الأبوة الأولى.
كانت وجهها صغيرًا، ناعم التقاطيع، وفي جبينها سكونٌ غير مألوف.
نظر إليها طويلًا، ثم قال لمريم:
— كأنها ليست وليدة هذه الساعة… كأن فيها معرفةً قديمة.
تعبت مريم من الألم، لكنها ابتسمت، ومالت نحو الصغيرة:
— أسميها صفية.
رفع تقي الدين رأسه إليها:
— صفية؟
— نعم. لا أدري لماذا، لكن الاسم نزل على قلبي دفعةً واحدة.
فقال:
— إذن هي صفية.
وفي تلك اللحظة نفسها، كانت الطفلة الثانية قد وُلدت في الغرفة المجاورة.
مضت الساعات الأولى.
أمٌّ تتعب وتنام وتصحو.
أبٌ يسأل ويطمئن.
ممرضة تدخل وتخرج.
وأقدارٌ تمشي بين كل ذلك بخطواتٍ لا تُسمع.
بعد يومين، ماتت الطفلة الثانية.
قالوا إنها اختنقت.
وقال بعضهم إنها ضعيفة.
وقال بعضهم: قضاء الله.
لكن الحقيقة لم تكن بهذه البساطة.
حين عمّ الاضطراب في القسم، تحرك العجوز كأنه كان ينتظر الإشارة.
دخلت ممرضة وخرجت أخرى.
أُغلق باب وفُتح باب.
نُقلت طفلة من مهجعٍ إلى مهجع.
وغطيت أسِرّة، وتبدلت أساور الأسماء، وضاعت لحظةٌ صغيرة بين لحظاتٍ كثيرة لا ينتبه الناس فيها عادةً إلى معنى الدقيقة الواحدة.
وحين استعادت كل امرأةٍ رضيعَتها بين ذراعيها، لم تكن الأم التي في الغرفة الثانية تحمل ابنتها.
كانت تحمل صفية.
أما مريم، فقد جاءها الارتباك متدرجًا.
في البداية قيل لها:
— البنت مع الممرضة للفحص.
ثم قيل:
— ستعود حالًا.
ثم قيل:
— هناك تشابه في الإجراءات.
ثم كثرت الهمسات.
ثم تبدلت الوجوه.
وقف تقي الدين في الممر ونبرة صوته تشق الصمت:
— أين ابنتي؟
لم يجبه أحد إجابةً مستقرة.
كل وجهٍ ينظر إلى وجه، وكل لسانٍ يحاول أن يخفي ارتباكه وراء عباراتٍ باردة لا تليق بكارثةٍ تنفتح.
دخل إلى الغرفة طبيبٌ يحاول أن يبدو هادئًا:
— هناك التباس… نحتاج بعض الوقت.
قال تقي الدين، وقد تغيّر صوته:
— الوقت؟ أتقول لي الوقت، وابنتي رضيعة لا تستطيع أن تقول لكم أنا هنا؟
أما مريم، فكانت على الفراش تبكي بصوتٍ مخنوق، كأن قلبها بدأ يشعر بما لم يقله أحد بعد.
صرخت:
— لا تقولوا لي التباسًا! أحضروا ابنتي! أنا أمها! أحضروا صفية!
لكن صفية كانت في تلك اللحظة بعيدةً عنها مترين فقط أو ثلاثة… ومستورًا بينها وبين أمها سترٌ كثيف من التدبير الشيطاني والكذب البشري.
في آخر الليل، خرج العجوز من المستشفى، وأمامه الممرضة نفسها التي كان يهمس لها.
قال لها:
— انتهى الأمر.
قالت بصوتٍ مرتعش:
— وماذا عن أهل الطفلة الأخرى؟
ضحك ضحكةً ميتة:
— سيبكون قليلًا… ثم ينسون. أما هذه، فقد خرجت الآن إلى حياةٍ أخرى.
لم تكن السماء فوق المدينة قد تغيرت.
لكن الأرض في تلك الليلة كانت قد ابتلعت سرًا يكفي ليشق مستقبل أمة.