تمهيد روائي
ليست كلُّ الحكايات تبدأ من الصرخة الأولى لطفلٍ يخرج إلى الدنيا.
بعض الحكايات تبدأ قبل ذلك… حين تكون الأقدار قد كُتبت في غيبٍ بعيد، ثم تؤمر الأرض أن تتهيأ لها، وتؤمر القلوب أن تنكسر لتصلح لاحتضانها، وتؤمر الشياطين أن تتحرك، لا لأنها ستنتصر، بل لأنها ستؤدي دورها في الطريق الذي سينتهي إلى هزيمتها.
كانت المدينة المنورة في ذلك الزمان تبدو للغرباء جنةً من طمأنينة، ولأهلها بيتًا من نورٍ معتاد.
لكن حتى المدن المباركة لا تُمنع عنها الفتن، وإنما تُبتلى كما يُبتلى الناس، ويُرى فيها الفرق بين قلبٍ يحرسه الله وقلبٍ ترك نفسه لظلامها.
وفي عام ألفٍ وأربعمئةٍ وثمانية عشر، وُلدت طفلةٌ قرب الحرم، في مستشفى متواضع من مستشفيات المدينة.
لم يكن أحد يعلم أن تلك الطفلة لن تكبر باسمها، ولن تنام في حضن أمها، ولن ترى أباها الحقيقي حين يرفعها لأول مرة إلى صدره ويقول: “هذه ابنتي”.
بل ستُنتزع من الحياة التي كُتبت لها في مهدها، وتُلقى في بيتٍ آخر، بين أناسٍ لا يشبهونها، وفي قريةٍ لا تشبه روحها، وفي وسط بيئةٍ قديمة الجرح، كثيفة الشر، متخمة بالحسد، يُعامل فيها السحر كأنه بابٌ من أبواب الحيلة لا بابٌ من أبواب الكفر والهلاك.
وهكذا، قبل أن تُفتح عيناها على الدنيا، كانت الدنيا قد أُغلقت عليها من جهة، وفُتحت لها من جهةٍ أخرى.
ولم تكن تدري، وهي الرضيعة التي لا تعقل البكاء من الفقد، أن الله كان يدخر لها من بعد هذا التيه مقامًا لا تناله إلا الأرواح التي عبرت النار ولم تحترق.