الفصل السبعمئة وثلاثة وخمسون: الثغر الغربي الأخير
في السنة الحادية عشرة
كان هناك ثغر غربي كبير
ظل خارجًا
عن الترتيب الكامل للدولة.
لم يكن مدينة واحدة
ولا حصنًا معزولًا،
بل شريطًا من المرافئ والمرتفعات والبلدات
تعيش بين البحر والجبل،
تختلط فيه المصالح
وتتنازع عليه
بقايا أمراء
ودعم بحري من خارج الإقليم
وتجار سلاح
يزدهرون كلما طال الاضطراب.
وكان محمد بن عبدالله
يرى أن هذا الثغر
إن تُرك
سيبقى خاصرة مفتوحة
لمن يريد أن يطعن الدولة
من البحر أو من التحريض الداخلي.
وإن دُخل بعجلة
أُحرقت القرى
واشتعلت حرب طويلة
لا تليق بمنهج البيت.
فجمع مجلسه،
وقال:
— هذا الثغر
لا يؤخذ بقبضة واحدة،
بل بثلاث:
قبضة البحر،
وقبضة الجبل،
وقبضة الناس.
ثم أضاف:
— إن فتحنا المرافئ
ولم نفتح قلوب القرى
طال النزف.
وإن أخذنا القرى
ولم نضبط البحر
عاد الشر من الموج.
وإن ربحناهما
ولم نعط الناس
صورةً واضحة
لِمَ جئنا
فإن الثغر
سيبقى يدخلنا إلى نفسه
ولا يدخل فينا.
وكان إلى جواره في تلك الأيام
رجال نضجوا على عينه،
وفي طليعتهم
عبدالملك بن أحمد،
ابن إمام الحرم،
الذي لم يخرج من بيت أبيه
طالب مقامٍ روحي فقط،
بل خرج
رجلًا في الدولة كذلك.
كان فيه
وقار أبيه أحمد
إذا سكت،
وفيه صلابة الدولة
إذا قرر،
وفيه معرفة عميقة
بكيف تُفهم القلوب
قبل أن تُفتح المدن.
وكذلك كان حاضرًا
سعيد بن محمد،
ابن الحاكم نفسه،
فتىً لم يعد صبيًا،
ورجلًا لم يكتمل حمله بعد،
لكنّه كان واضح المعدن،
عميق الصمت،
يقرأ الوجوه
كما يقرأ المحاربون الخرائط.
وهكذا
خرج محمد بن عبدالله
إلى آخر حملاته
وهو يعلم
أن ما وراءه
ليس فراغًا.