الفصل السبعمئة وستة عشر: مائدة الفقراء
في اليوم الثالث
أو نحو ذلك
من مقامها في ذلك البلد،
أصرت عائشة
أن تكون مائدة الفقراء
في الساحة العامة القريبة من المسجد،
لا في دار الوالي
ولا في بيتٍ معزول.
قالت:
— أريد أن يأكل الناس
حيث يراهم الناس.
أريد للغني أن يرى الفقير
لا رقمًا في سجل
بل وجهًا يجلس إلى الطعام.
وأريد للأطفال
أن يتعلموا
أن موائد الدولة
إنما تكرم إذا جلس إليها
أهل الحاجة أولًا.
فبُسطت الموائد
وجلس الرجال والنساء والأطفال
في ترتيب كريم،
وكانت عائشة
تتنقل بينهم
تسأل هذه الأرملة عن ولدها،
وتجلس إلى طفل مريض،
وتأمر أن يزاد لهذا
وأن يُخفف عن ذاك،
وتبتسم
حتى ظن الناس
أن الدولة
قد دخلت عليهم
على هيئة أخت.
لكن في ذلك البلد
كان لا يزال
بقايا من حقد قديم.
رجل أو رجال
خسروا نفوذهم
حين دخل العهد،
أو تاجر ظالم
رأى أن عائشة
إذا أتمت ما جاءت له
انقطع آخر باب
من أبواب استغلاله للفقراء.
وكان أحدهم
قد تشرب من أحقاد الأعداء
ما جعله يظن
أن ضرب الدولة
قد يكون أيسر
إذا ضُربت
في موضع رحمتها.
فدبّروا الشر
لا في معركة
ولا في طريق
بل في مائدة الفقراء نفسها.
وأُدخل السم
إلى بعض الطعام
أو الشراب
بطريقة خسيسة
لا يحتاج القارئ
أن يعرف صورتها الدقيقة
قدر ما يحتاج
أن يعرف
أن الجريمة
لم تستهدف عائشة وحدها،
بل استهدفت معنى الرحمة
الذي كانت تحمله.