الجزء السابع والثمانون: حين أراد الأعداء أن يقتلوا الرجل ليكسروا العصر

الفصل الستمئة والخامس والثمانون: الدم الذي صار جسرًا لا زينة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والخامس والثمانون: الدم الذي صار جسرًا لا زينة

في ذروة قوة الدولة
لم يكن عبدالملك
ينظر إلى البيوت والأنساب
كما ينظر إليها أهل الزهو،
بل كما ينظر إليها رجل دولة
يعرف أن النسب
إذا لم يتحول إلى جسر عدل
صار زينةً فارغة على جدار القوة.

ولهذا
لم يقف بيت صفية
عند مجد الفتوح
ولا عند اتساع العروش المفتوحة،
بل دخل طورًا جديدًا:
طور المصاهرات التي تثبت العهد
وتربط الدم بالوفاء
لا بالمباهاة.

فقد اكتمل زواج عبدالملك
من أمينة بنت الملك نور الدين
على الوجه الذي صار الناس بعده
يرون فيه اقتران السيف العادل
بالحكمة الملكية الرزينة.

وأما عبدالله
فقد عقد على زينب بنت خاله الأمير سليمان البخاري
من بخارستان،
ليعود الدم الذي انقطع عن صفية في طفولتها
إلى بيتها على صورة مصاهرة واعية.
ولم يكن في هذا الزواج
حنين نسبٍ فقط،
بل كان ربطًا بين أصل صفية القديم
وبين الدولة التي خرجت منها.

وأما محمد
فلما استقر له المقام في المدينة المنورة
عُقد له على رقية بنت خاله عبدالغني البخاري،
امرأةً جمعت بين العلم والوقار،
فدخلت معه المدينة
لا كزوجة إمامٍ وحسب،
بل كشريكة هدوءٍ
في بيتٍ صار الناس ينظرون إليه
كما ينظرون إلى موضع سكينة.

وأما البنات،
فقد كانت لهنّ مصاهرات
لا تقل شأنًا عن مصاهرات الرجال.

فاطمة
ثبت بابها الرفيع
على ما سبق من صلة كريمة
بالبيت السعودي،
فصارت بذلك جسرًا
بين المقام الرفيع
والرحمة الهادئة.

وخديجة
عُقدت على يوسف بن خالها البخاري
وكان من أهل الوقف والإدارة والضمير،
فصار بيتها
بابًا آخر من أبواب الربط
بين الدولة وأصل صفية في بخارستان.

وعائشة
تزوجت مصطفى بن خالها،
وكان من شباب العلم واللغة والسياسة،
فاجتمع في بيتها
رهافة التربية
مع امتداد الأصل.

وأما مريم
فقد اختار لها البيت
زوجًا من رجال القضاء الكبار
الذين بنوا العهد بأيديهم،
ليكون بيتها
بابًا من أبواب استقامة المجتمع
لا صدىً لاسم الدولة فقط.

ولم تقف المصاهرات
عند الجيل الأول.

بل لما كبر الأبناء والأحفاد
بدأت الروابط تمتد
بين ذرية عبدالملك وذرية عبدالله
من جهة،
وبينهم وبين أبناء أخوالهم في بخارستان
من جهة أخرى،
حتى صار بيت صفية
كأنه شجرة
تمد جذورها في البوسنة والبلقان
وفروعها في بخارستان
وأغصانها في مكة والمدينة
وبيوت الحكم والعلم.

وكانت صفية
تنظر إلى هذا كله
وتقول:
— الحمد لله…
ما عاد دمي المكسور
سيرة امرأةٍ ضاعت طفولتها،
بل صار دمًا
تثبت به أمة.