الفصل الستمئة والثالث والستون: السنوات الأولى من الخمس والأربعين
بدأت سنوات حكم عبدالملك الطويل
تتشكل على هيئةٍ لم يعرفها الناس من قبل.
السنة الأولى
كانت سنة ترتيب.
ترميم ما بعد الفتوح الكبرى.
وضع الأنظمة العليا.
تثبيت العاصمة.
ضبط الأقاليم المفتوحة.
وربط الممالك القريبة
بشبكة العدل لا بشبكة الخوف.
السنة الثانية
كانت سنة مراجعة.
يرسل فيها عبدالله عيونه
إلى الولاة،
والأسواق،
والقضاء،
والحاميات،
حتى لا يدخل الفساد
من أبواب النجاح نفسه.
وكان عبدالملك
يسافر أحيانًا بنفسه
لا ليظهر،
بل ليقيس حرارة البلاد
من دون الولاة والوسطاء.
السنة الثالثة
بدأت فيها الثمار تظهر.
طرق أهدأ،
أسواق أوسع،
مدارس أكثر،
أوقاف صفية تمتد،
أطفال عائشة يكبرون،
جرحى خديجة يشفون،
نساء مريم ينسجن مجتمعًا جديدًا،
ورسائل محمد من المدينة
تدخل الدواوين
كأنها دستور خفي للضمير،
وصوت أحمد من مكة
يثبت للأمة
أن هذا كله
ما زال يعرف السجود.
وفي هذه السنوات
تعلم عبدالملك
أن الحكم الطويل
لا يُدار بالعزم وحده،
بل بـالإيقاع.
متى يلين،
ومتى يشتد،
ومتى يغير الوالي قبل أن يفسد،
ومتى يبقيه رغم شكاوى الحاسدين،
ومتى يعطي السوق حرية
ومتى يضبطها قبل أن تتحول إلى ذئب،
ومتى يخرج بنفسه إلى الجبهة
ومتى يتركها لرجاله.
وقال سعيد له في السنة الثالثة أو نحوها:
— بدأت الآن
تتعلم فنًا
لا يعرفه إلا من طال ملكه وبقي صادقًا:
فن الملل الشريف.
سأله عبدالملك:
— ما هو؟
قال:
— أن تمضي عليك أيام
لا مجد فيها،
ولا رايات جديدة،
ولا مفاوضات عظيمة،
بل أوراق،
وشكايات،
وتعب وجوه،
واختلاف أسواق،
ومراجعة قاضٍ أخطأ،
ومؤونة ثغرٍ بعيد،
وصبر على بشرٍ لو تُركوا لأنفسهم
لرجعوا إلى فوضاهم القديمة.
ثم أضاف:
— من احتمل هذا الملل
ثبت ملكه.
ومن عشق المجد فقط
أفسد البلاد
وهو يطلب لها العظمة.
وكان عبدالملك
يحفظ هذه الجملة
كما يحفظ القائد
مواضع الماء في الصحراء.