الفصل الستمئة والحادي والخمسون: البوسنة… من ساحة نجاة إلى قلب الإمبراطورية
قبل أن تمتد الراية أبعد،
فهم عبد الملك
أن البوسنة نفسها
يجب أن تتحول
من موضع نجاةٍ تاريخي
إلى قلب إمبراطوري راشد.
فالبوسنة
لم تعد فقط بلدًا نجا من الفوضى،
ولا موضعًا قامت فيه رابطة العهد الجامعة،
بل صارت العاصمة المعنوية
للمرحلة المقبلة.
قال في مجلسه:
— لن ندخل الأفق الأوروبي
وبوسنةُ العهد
ما زالت تُفهم على أنها بلد خرج من محنته فقط.
بل يجب أن تصير في عين الناس
موضعًا يُقصَد للتعلم،
وللقضاء،
وللتجارة،
وللدبلوماسية،
ولبناء النخب،
ولرؤية كيف يمكن أن تعيش أديان وأعراق وأسواق مختلفة
تحت سقف عدلٍ واحد.
فبدأت مرحلة جديدة داخل البوسنة نفسها:
توسيع مجالس العلم،
وبناء مدارس للغات والفقه والسياسة والإدارة،
واستقدام علماء من المشرق وبخارستان والأناضول وسائر بلاد المسلمين،
وتدريب أبناء الأقاليم المفتوحة
ليعودوا إلى أوطانهم
وهم لا يشعرون أنهم حَمَلةُ أوامر من الخارج،
بل أبناء نظامٍ أوسع تعلموا فيه كيف يخدمون بلادهم.
وكان عبدالله
يشرف على بناء نظام المراسلات،
ومحاور الطرق الكبرى،
والسجلات،
ومسالك الجند والإمداد،
بحيث لا تبقى البوسنة
مجرد رمز،
بل تصير مفصلًا إداريًا حقيقيًا.
وكانت صفية
في هذه المرحلة
أشد النساء انشغالًا
ببناء ما وراء الفتح:
الأوقاف،
ودور الأرامل،
ودور الأيتام،
ومجالس النساء في المدن المفتوحة،
ومعاهد تعليم البنات،
وشبكات الخبز والدواء في القرى البعيدة.
وقالت لعبد الملك:
— إذا أردت أن تحمل أوروبا والبلقان
فابنِ البوسنة
كأنها أمٌّ لا كأنها سيف.
فالأم
هي التي تسع من يجيء من بعيد
ولا تجرحه بفضلها.
وكانت هذه الجملة
من صفية
أصلًا في السياسة الإمبراطورية كلها.