الفصل الستمئة والسابع والثلاثون: صفية تدخل العاصمة بعد الراية
لم تدخل صفية
العاصمة مع أول الخيل،
كما لم تدخل كثيرًا من المدن المفتوحة
إلا حين يكون الباب قد ثبت
والفوضى قد انكسرت.
لكن دخولها
كان أحيانًا
أعمق من دخول بعض القادة.
فلما جاءها الخبر
أن العاصمة فُتحت
وأن المدينة لم تنفجر
وأن السوق بقيت على حال يمكن إصلاحه،
وأن القصر سقط
من غير أن تتحول الشوارع إلى أنهار دم،
قالت لبناتها:
— الآن يبدأ فتح العاصمة الحقيقي.
ثم أضافت:
— الرجال كسروا باب العرش،
أما نحن
فسندخل لنكسر الخوف الذي عاش في البيوت سنين.
ودخلت معها مريم
وخديجة
وعائشة
ومعهن نساء الرابطة.
دخلن على بيوتٍ
لم تعرف منذ سنين
إلا أن تكون قريبة من السلطان
أو بعيدة عنه،
لكنها لم تعرف أن تكون قريبة من العدل.
دخلن على نساء فقدن ثقتهم بكل راية.
وعلى أرامل جنود
لا يعرفن إن كان سيُحسب لدم رجالهن شيء
أم سيُنسين كما ينسى الملوك من ماتوا لأجلهم.
وعلى أطفال
كانوا ينظرون من شبابيكهم
كأنهم لا يصدقون
أن المدينة نفسها
ما زالت قائمة بعد الفتح.
جلست صفية في أحد البيوت الكبيرة
لكنها لم تدخلها
بعين من دخل القصر على أهله،
بل بعين امرأة تعرف
أن قلب العاصمة
أشد وجعًا من ظاهر جدرانها.
قالت لنساء العاصمة:
— ما جئناكنّ
لنذكركنّ بمن غلب،
بل لنفتح لكنّ بابًا
تعشن فيه
من غير أن تكونن دائراتٍ حول عرش
ولا ضحايا لسقوطه.
ثم أضافت:
— من كانت لها مظلمة
فلها باب.
ومن كان لها زوج مفقود
فله اسم لا يضيع.
ومن كان بيتها خائفًا
فليعلم أن الرابطة
لم تدخل لتضاعف الخوف
بل لتضع له حدًا.
وفي تلك الليالي
بدأت العاصمة
تتعرّف على صفية
كما تعرفت من قبل
على عبد الملك ومحمد وعبد الله،
لكن من زاوية أخرى:
زاوية أن الفتح
لم يكن على الرجال وحدهم
ولا للرجال وحدهم.
وقالت امرأة من بيوت العاصمة القديمة:
— كنا نظن
أن سقوط القصر
يعني سقوط كل شيء.
فإذا بهذه المرأة
تجعلنا نفهم
أن ما سقط
ليس البيت
بل الوهم.
وكانت هذه الجملة
من أجمل ما قيل في فتح العاصمة.