الجزء الحادي والثمانون: حين وقفت الرابطة على أبواب العاصمة

الفصل الستمئة والثالث والثلاثون: الرسالة الأخيرة إلى القصر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والثالث والثلاثون: الرسالة الأخيرة إلى القصر

لم يرد عبد الملك
أن يقترب من العاصمة
من غير أن يترك للعدل
فرصته الأخيرة قبل الحديد.

فكتب رسالته الأخيرة إلى القصر،
وكانت أثقل من كل ما سبقها،
لأنها لم تعد مرآةً فقط،
بل صارت بابًا أخيرًا
بين السلم الذي بقي من ماء الوجه
وبين الفتح الذي لا بد أن يجيء.

جاء في الرسالة:

“لقد بلغ من أمر البلاد ما بلغ،
وصرتم ترون كما نرى
أن المملكة لم تعد تُحمل بالصورة القديمة،
ولا تعود أطرافها إلى الطاعة
بمجرد الخوف من المركز.
ولسنا ممن يحبون أن تدخل العاصمة
باب الدم إذا وجدت إلى غيره سبيلًا.
فإن أردتم
أن تفتحوا للمدينة بابًا
يحفظ الأسواق،
والبيوت،
ودور العبادة،
ودماء من لم يقاتل،
ويجعل انتقال الأمر
على صورةٍ تحفظ للناس ما بقي من كرامتهم،
فنحن نسمع.
وإن أبيتم
وجعلتم العاصمة
حصنًا لعنادٍ لم يعد يحمي أحدًا إلا وهمه،
فإننا لا نرى للناس حقًا
أن يبقوا دروعًا لخوف القصر من الاعتراف.”

ولم تكن الرسالة
مجرد عرض استسلام.
كانت عرض انتقال.
وهذا ما جعلها مؤلمة للقصر أكثر.
لأنها لم تقل لهم:
“انهزمتم”،
بل قالت:
“لقد انتهى الزمن الذي كانت تهزم فيه البلاد
ثم يبقى الملك يزعم أن صورته كاملة.”

قرأ الملك الرسالة،
وسكت طويلًا.
وقال أحد رجال الحرب:
— هذا مكر.
يريد أن يدخل من الكلمة
حيث لم يدخل بعد من السيف.
فقال رجل مال من خاصته:
— لا.
بل هو يعرف أن السوق
ستكرهه إن حوّل العاصمة إلى مذبح.
وقال ثالث،
وكان أكثرهم شراسة:
— نغلق الأبواب
ونحشد
ونجعل من كل شارع جبهة.
لكن رجلًا من أهل الفهم
قال في هدوءٍ ثقيل:
— وهل تضمن أن الشوارع كلها
ما زالت تريد أن تموت للقصر؟

وهنا
عرف الملك
أن السؤال لم يعد عن الخطة،
بل عن الولاء نفسه.

ولم يخرج من المجلس قرار صريح.
وهذا وحده
كان علامةً عظيمة.
لأن العروش
إذا عجزت عن قرار واضح
فقد بدأت تنزلق
وإن بقيت جالسة على مقاعدها.

وصل إلى عبد الله
من طريقه المعتاد
أن الرسالة
لم تُرفض رفضًا حاسمًا،
ولم تُقبل،
وأن الحرس
تلقى أوامر متضاربة.
فقال لعبد الملك:
— هذا أخطر ما كنا ننتظره.
السقف لم يعد واحدًا.
والمدينة إذا تلقت أمرين
بدأت تفتح بابها الثالث.

قال عبد الملك:
— وما الباب الثالث؟
قال:
— أن تفتح نفسها
قبل أن تُفتح عليها.