الجزء الحادي والثمانون: حين وقفت الرابطة على أبواب العاصمة

الفصل الستمئة والثاني والثلاثون: العاصمة تسمع وقعها قبل أن تسمع وقع الخيل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والثاني والثلاثون: العاصمة تسمع وقعها قبل أن تسمع وقع الخيل

لم تكن العاصمة،
في الأيام التي سبقت الفتح،
مدينةً هادئةً تخفي اضطرابها خلف القباب والأسوار،
بل كانت كالكائن الذي يسمع نبضه يختل
ولا يملك أن يعترف لنفسه أنه مريض.

في الأسواق
كان التجار يتكلمون بصوتٍ أخفض من المعتاد،
لا لأنهم يخافون الرابطة وحدها،
بل لأنهم بدأوا يخافون العاصمة نفسها.
خافوا أن تكون القلاع ما زالت عالية،
لكن القرار فيها صار أقل ثباتًا من أسعار الحبوب.
خافوا أن يبقى الحرس في الأبواب،
لكن القلوب التي وراء الرماح
لم تعد تقاتل كما كانت تقاتل من قبل.
وخافوا أكثر من شيءٍ لا تراه العين:
أن تكون المدينة
قد بدأت تتعب من الكذب الذي كانت تعيش عليه.

وفي الأحياء القريبة من الجامع الكبير،
كان العلماء الصامتون
لا يرفعون أصواتهم بنصرة الرابطة،
لكنهم كذلك
لم يعودوا يملكون الحماسة القديمة
في تبرير كل ما يخرج من القصر.
بعضهم صار يكتفي بالدعاء للعدل
من غير أن يذكر السلطان،
وبعضهم صار يكرر الآيات
التي تذكّر الناس بأن الملك
أمانةٌ لا ستار،
وأن الأيام تتداول
بإذن الله
لا بإرادة البلاط وحده.

وفي الحرس
كان الوجوم
أكثر بلاغةً من الكلام.
رجال يقفون في مواقعهم،
لكنهم يشيحون بأعينهم
إذا مرّ ذكر الإقليم الشرقي
أو المدن المفتوحة
أو حديث الناس عن الرابطة.
وبينما كان بعضهم
لا يزال يكره عبد الملك
لأنه يقترب من عرشهم،
كان بعضهم الآخر
قد بدأ يسأل نفسه سرًا:
وهل بقي هذا العرش عرشنا فعلًا؟

وفي القصر
كان الملك أو كبيره
يأمر فيُطاع،
لكن الطاعة نفسها
لم تعد لها تلك الصلابة القديمة.
كأن الجدران
ما زالت تعرف صوت الأمر،
لكن الأرواح التي تحمل الأمر
لم تعد تؤمن به كل الإيمان.

وصلت هذه الصورة إلى عبد الله
من طرقه الكثيرة،
فدخل على عبد الملك،
وقال:
— العاصمة بدأت تسمع وقعها قبل أن تسمع وقع خيلنا.
رفع عبد الملك رأسه:
— ماذا تعني؟
قال:
— تعني أن المدينة
صارت تخاف من نفسها
أكثر مما تخاف منا.
وهذه اللحظة
أخطر من سقوط برجٍ أو بوابة.
ثم أضاف:
— إذا أحسنّا الدخول الآن
دخلنا على تعبها،
وإن أخطأنا
حولنا تعبها إلى شراسة يائسة.

دخل سعيد بعده بقليل،
فلما سمع الكلام
هزّ رأسه،
وقال:
— نعم.
هذه هي الساعة التي ينبغي فيها
أن تكون الرابطة
أكثر هدوءًا من العاصمة،
وأكثر ثباتًا من عرشها،
وأقلَّ شهوةً للنصر
من الناس الذين ينتظرونه منها.
ثم أضاف:
— لأن من يدخل مدينةً متعبة
كأنه يدخل قلبًا مجروحًا.
فإن شددت عليه أكثر من حقه
انغلق،
وإن خفت أكثر من حقك
ضاع.

وكان هذا
أول ميزانٍ في فتح العاصمة.