الجزء الثمانون: حين بدأت الطريق إلى العاصمة تُكتب

الفصل الستمئة والرابع والعشرون: العاصمة لا تسقط حين تُحاصَر… بل حين تتعب من صورتها

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الستمئة والرابع والعشرون: العاصمة لا تسقط حين تُحاصَر… بل حين تتعب من صورتها

لم يكن عبد الملك
من أولئك الذين يظنون
أن الطريق إلى العاصمة
خطٌّ مستقيم
ترسمه الخيول
ثم تمحوه الصيحات.

فالعاصمة،
في كل ملكٍ قديم،
لا تُحمى بالحجارة وحدها،
بل تُحمى بصورةٍ بناها الناس عنها في قلوبهم:
أنها أصل البلاد،
ومنبع الهيبة،
وموضع الدين إذا أراد أن يتزيا بلباس السلطان،
ومكان السوق الكبرى،
ومأوى من يريد أن يظن
أن كل ما وراء الأسوار
مجرد أطرافٍ خلقت لتخدم المركز.

ولهذا،
قال سعيد لعبد الملك
حين اكتمل لهم من أخبار البلاط
والإقليم الشرقي
والعلماء والأسواق
ما يكفي لرؤية المرحلة الجديدة:

— العاصمة لا تسقط
حين تُحاصَر من خارجها أولًا،
بل حين تتعب من صورتها.
ثم أضاف:
— إذا بقي أهلها يظنون
أنها ما زالت كما كانت
فلن تنفعك الثغور المفتوحة
ولا الأقاليم المنكسرة.
أما إذا دخل عليها الشك
في صورة نفسها
بدأت الأسوار تتشقق
قبل أن يمسها المنجنيق.

سأل عبد الملك:
— وكيف تتعب من صورتها؟
قال سعيد:
— حين يرى تجارها
أن السوق خارجها
أصدق وزنًا منها.
ويرى علماؤها
أن الدين عند الرابطة
أقل توظيفًا وأقرب خشية.
ويرى جنودها
أن الأطراف التي كانوا يضربونها باسم الملك
دخلت في عدلٍ أوسع
بينما هم ما زالوا وقودًا لبلاطٍ لا يعرف وجوههم.
وترى نساؤها
أن النساء في المدن المفتوحة
صرن أقل خوفًا منهن
مع أنهن كنّ يُخوفن بهنّ من قبل.
ثم قال:
— إذا اجتمع هذا كله
فإن العاصمة
تبدأ تتعب من صورتها
ولو بقيت القباب لامعةً فوقها.

وهنا
فهم عبد الملك
أن الطريق إلى العاصمة
لن يبدأ بحصارها،
بل بإعادة تعريفها عند أهلها.