الفصل الخمسمئة والرابع والستون: أول تعارضٍ حقيقي بين مصلحتين
لكن امتحان الجمع بين المختلفين
لم يكن ليمرّ بلا صدام.
فقد وقع ما لا بد أن يقع:
تعارضت مصلحتان
كلتاهما حقّ من وجه،
وخطر من وجه.
إحدى الجهات الصغيرة
كانت تريد أن يكون لها
باب مباشر أوسع إلى سوق القلب
بما يخفف عنها سنوات الضيق.
لكن جهةً أخرى
أقرب إلى الحزام
رأت أن هذا يهدد ممرها التجاري القديم
وقد يضعف رجال سوقها
في أول مرحلة من مراحل الترتيب الجديد.
الكل يتكلم بلغة الحق.
والكل يحمل في يده
شيئًا من الصدق
وشيئًا من الخوف.
وكانت هذه أول مرة
يواجه فيها عبد الملك
تعارضًا لا يقدر أن يحله
بأن يردّ الجميع إلى أصل الظلم الواضح.
فالمسألة هنا
ليست بين ظالم ومظلوم تمامًا،
بل بين حقين متجاورين
لو أُعطي أحدهما بغير ميزان
شعر الآخر أنه دخل البنيان الأكبر
ليُضحى به.
جلس معهم،
وسمع طويلًا.
تكلم شيخ السوق من الجهة الأولى
بلغةٍ فيها تعب السنين.
وتكلم شيخ من الثانية
بلغةٍ فيها خوف من أن يُنسى جهده القديم
في ربط الحزام بالقلب.
وتكلم علماء
يحاولون ألا يجعلوا القضية
صراع غلبةٍ مبطنة.
ثم قال عبد الملك بعد صمت:
— هذه من أول المسائل
التي تفرّق بين من يحب الاسم الكبير
ومن يطيق بناءه.
ثم أضاف:
— إن أخذنا طريقًا سهلًا
وظلمنا واحدًا منكما
فإننا لا نبني اتحادًا،
بل نؤجل الفتنة.
ثم قال جملته القاطعة:
— ولن يكون الأوسع
مقصلةً للذي سبق،
ولا جدارًا يمنع الذي جاء.
ثم قرر حلاً مركبًا:
توسيعًا متدرجًا للممر.
وضمانة مالية أو سوقية
للجهة التي ستتضرر أولًا
حتى لا تنكسر.
ومجلس مراجعة بعد موسم معلوم.
وإشراك رجل من كل جهة
في مراقبة التنفيذ
حتى لا يُفسر القرار من الخارج
على أنه انتصار لطرفٍ على آخر.
لم يخرج الجميع سعداء كل السعادة،
لكنهم خرجوا شاعرين
أنهم لم يُساقوا إلى حل
لأن القلب أراده فقط،
بل لأن هناك من تعب
ليحفظ حقين معًا بقدر المستطاع.
وهذا
كان من أكبر براهين نضج البوسنة.
لأن الاتحاد الحقيقي
لا يمتحن فقط في الأعداء،
بل في القدرة على احتمال
الحقين المتجاورين.