الفصل الخمسمئة والستون: أول مجلسٍ جمع الوجوه المختلفة تحت سقفٍ واحد
كان لا بد من لحظة
يرى فيها المختلفون بعضهم بعضًا
على الحقيقة،
لا في رسائل الوسطاء
ولا في أخبار السوق
ولا في ظنون النساء والرجال.
ولهذا،
دعا عبد الملك
إلى مجلسٍ لم يكن ككل ما قبله.
لم يكن مجلس حرب،
ولا مجلس ميثاقٍ موقَّع بعد،
ولا مجلس قضاء في خصومة محددة،
بل كان مجلس الوجوه المختلفة.
حضر إليه:
وجوه من القلب البوسني،
ورجال من الجهات الداخلة في ظل العهد،
وعلماء من الحزام،
وشيوخ سوق من نواحٍ بعيدة،
ووجوه من قبائل أو بيوت
لم تتعلم بعد كيف تجلس من غير أن تحصي
من سبقها في السلام
ومن تأخر في الجلوس.
وكان سقف المجلس في بدايته
أثقل من الحديد.
كل رجل
يدخل وهو يحمل معه تاريخ بيته،
وحساب سوقه،
وشكوك نسائه،
ونصيحة شيخه،
وربما وصية أبيه الميت
أن لا يثق كثيرًا في أحد.
رأى عبد الملك هذا في الوجوه،
فلم يبدأ بالكلام مباشرة.
ترك لهم وقتًا
يشربون فيه الماء
وينظر بعضهم إلى بعض
ويشعرون بثقل ما هم فيه.
ثم قال:
— ما جمعتكم اليوم
لتتنازلوا عن أسمائكم،
ولا لتتباروا فيمن سبق إلى الحق،
ولا ليذوب أحدكم في أحد.
جمعتكم
لأن الأرض بدأت تقول لنا
إن أبواب العدل إذا كثرت
طلبت سقفًا يحفظها.
ثم أضاف:
— وليس السقف
أن يُنسى البيت،
بل أن يبقى كل بيت
آمنًا تحت شيءٍ أعلى من خوفه القديم.
ثم نظر إلى الجميع،
وقال:
— لكني أعرف
أن بينكم من يخاف من الذوبان،
ومن يخاف من ابتلاع السوق،
ومن يخاف أن يأتيه القاضي من القلب
فلا يفهم أرضه،
ومن يخاف أن تذهب رجاله الصغار
في جيشٍ أكبر ثم لا يعود لهم صوت.
وأقول لكم:
إن لم ننطق بهذه المخاوف
ظلت تعضّنا من داخلنا
حتى لو كتبنا أجمل مواثيق الدنيا.
كانت هذه الجملة
مفتاح المجلس.
فقد شعر كل واحد منهم
أن الرجل أمامه
لا يريد أن يدفن المخاوف
تحت اسمٍ كبير،
بل أن يضعها على الطاولة.
وبدأ الكلام.
قال شيخ من جهة جبلية:
— أخاف إن دخلنا في بنيانكم الأوسع
أن يصير اسمنا بعد أعوام
ذكرى صغيرة في وثائقكم.
وقال شيخ سوق من جهة أخرى:
— وأخاف أن يمرّ علينا خير القلب
لكن بعد أن يمرّ أولًا على تجاره وكبرائه.
وقال عالم متعب:
— وأنا أخاف
أن نُحسب منكم
ثم إذا اختلفنا مع بعض رجالكم
قيل لنا: أنتم لا تفهمون المصلحة الكبرى.
وقال رجل من قلب البوسنة:
— وأنا أخاف من شيء آخر.
أن نحمل فوق طاقتنا
ثم نُلام إذا تعبنا
ونُنسى أننا أصل ما بُني عليه هذا كله.
هنا،
أدرك عبد الملك
أن المجلس نجح في أول شيءٍ يجب أن ينجح فيه:
أن يجعل الاختلاف مسموعًا
لا مكتومًا.
قال بهدوء:
— ما سمعته منكم اليوم
أحبّ إليّ
من صمتٍ جميلٍ ثم انهيارٍ بعد سنة.
فإن الذي لا يتكلم الآن
ربما يتكلم لاحقًا
بصورة فتنة لا إصلاح.
ثم ختم المجلس لا بقرار،
بل بوعد:
— لن يُكتب شيءٌ فوق رؤوسكم.
بل سنكتب
مما قلتم
كما نكتب من حاجات السوق والقضاء والطريق.
فإن لم تدخل مخاوفكم في أصل البنيان
فسينهار فوقها.
وخرجوا،
وكل واحد منهم
أخفّ قليلًا،
وأثقل قليلًا أيضًا.
أخفّ
لأنه قال ما في قلبه.
وأثقل
لأنه عرف أن الدخول في شيءٍ أكبر
لن يكون كلمةً سهلة.