الفصل الخمسمئة والحادي والخمسون: الفكرة التي لم تُولد في المجالس… بل في الحاجة
لم تولد فكرة الاتحاد
في رأس رجلٍ أراد أن يكبر،
ولا في خيال شاعرٍ أحب الخرائط الواسعة،
ولا في مجلس حربٍ جلس فيه المنتصرون
فقالوا:
لماذا لا نجمع ما حولنا تحت رايةٍ واحدة؟
بل ولدت في موضعٍ أبسط وأصدق وأثقل:
في الحاجة.
حين بدأت الجهات الصغيرة
تدخل في ظل العهد،
أو تقترب من أبوابه،
أو تطلب قضاءه،
أو تستند إلى سوقه،
أو تستنير بعلمائه،
ظهر مع الوقت أمرٌ لم يكن ظاهرًا أولًا:
أن الأبواب المتفرقة
إذا كثرت
بدأت تطلب نظامًا أعلى.
فالقاضي الذي يحكم في خصومة
يحتاج بعد حين
أن يعرف:
من ينفذ هذا الحكم
إذا تعارض مع رجلٍ خارج حدود البوسنة؟
والسوق التي ترتبط بالقلب
تحتاج بعد مدة
أن تعرف:
من يضمن الطريق إذا تشعبت المصالح واختلفت الجهات؟
والعالم الذي يثبت الناس
يحتاج أن يعرف:
إلى أي بنيانٍ سياسي وأخلاقي
ينسب هذا الثبات؟
والجهة الداخلة في ظل العهد
تبدأ بعد أشهر أو أعوام
تسأل السؤال الذي كان لا بد أن يأتي:
هل نحن فقط قريبون من البوسنة…
أم نحن جزء من شيءٍ أكبر بدأ يتكون؟
كانت هذه الأسئلة
تصل متفرقة أولًا،
كأنها نقاط مطرٍ على زجاج نافذة.
لكن سعيدًا
كان من الرجال الذين يسمعون المطر
قبل أن يصير سيلًا.
قال لعبد الملك في ليلةٍ لم يكن فيها من ضجيج السياسة شيء،
لكن كان فيها من ثقل التاريخ ما يكفي:
— أترى ما يحدث؟
قال عبد الملك:
— أرى أن الجهات الصغيرة
كلما دخلت في ظلنا
طلبت بعد حين
صورةً أوضح لما بينها وبيننا.
قال سعيد:
— نعم.
وهذا هو أول خيط في فكرةٍ أخافها وأنتظرها معًا.
ثم أضاف:
— أخافها
لأن الاتحاد
إذا جاء قبل نضجه
صار ابتلاعًا باسم النظام،
وأنتظره
لأن الظلال إذا كثرت
ثم بقيت بلا سقفٍ معلوم
ربما فسد بعضها ببعض.
سأله عبد الملك:
— أتقصد أن الزمن
قد يأتي فيه يوم
لا يكفي فيه ظل العهد وحده؟
فأجابه سعيد:
— نعم.
قد يأتي يوم
تطلب فيه الجهات الصغيرة
لا مجرد باب من أبوابنا،
بل عقدة تجمعها
على صورة تحفظها
ولا تذيبها.
وسكت قليلًا، ثم قال:
— لكن احذر…
ففكرة الاتحاد
أشد فتنًا من فكرة الحرب.
الحرب ترى دمها.
أما الاتحاد
فقد يأتي في صورة الخير كله
ثم يُفسد إن دخلته النفس
أو دخلته العجلة
أو دخلته شهوة الاسم الكبير.
خفض عبد الملك رأسه،
وعرف أن بابًا جديدًا
قد بدأ يلوح فعلًا.