الفصل الخمسمئة والتاسع والأربعون: عبد الملك يحرس قلبه من صورة المنقذ
في خضم هذا كله
بدأ عبد الملك يشعر بخوفٍ جديد.
ليس من الحرب،
ولا من الخيانة،
ولا من الكبار فقط،
بل من شيءٍ في نفسه.
فقد صار يسمع من خارج البوسنة
ومن داخلها
كلماتٍ تتكرر:
— أنتم رجاؤنا.
— أنتم الملاذ.
— أنتم المستقبل.
— لو امتدّ ظلكم
لانصلح كثير من أمرنا.
وكان يعلم
أن في هذا خيرًا من جهة
لأنه يعني أن الله
فتح للبلاد بابًا من القبول.
لكنه كان يخاف من جهة أخرى
أن تدخل عليه صورةٌ خفية:
صورة المنقذ.
والمنقذ
إذا سكن نفس الحاكم
أفسد عليه ميزانه.
جلس مع أبيه وقال:
— أخاف من شيء لا أحسن وصفه.
فقال سعيد:
— صفه.
قال:
— أخاف أن أحبّ في قلبي
أنني الرجل الذي تنتظره الجهات الصغيرة،
والذي يتكلم الناس عن ظله ومستقبلهم فيه.
أخاف أن يفسدني هذا
وأنا أظنه من شكر النعمة.
نظر إليه سعيد
نظرة من سرّته أكثر مما أوجعته،
وقال:
— الحمد لله…
هذا هو الخوف الذي كنت أرجوه لك.
ثم أضاف:
— إذا خفت من صورة المنقذ
نجوت من نصفها.
لكن لا يكفي أن تخاف.
يجب أن تفعل شيئًا.
قال:
— ماذا؟
قال:
— كلما سمعت مثل هذا
فارجع إلى موضعين:
إلى الجرحى،
وإلى الديوان.
فالجرحى يذكّرونك بثمن الطريق،
والديوان يذكّرك بأن البلاد
لا تقوم على صورة رجل
بل على أعباء يومية لا تُرى.
ثم قال:
— وإذا أردت دواءً ثالثًا
فاجلس مع أمك.
فإنها تعرف كيف تنزع من القلوب
ما يدخلها من التعاظم
بكلمة واحدة لا يملكها غيرها.
وفعل عبد الملك ذلك.
صار إذا سمع مدحًا كبيرًا
يمر بعده على ديوان الأسماء:
الجرحى،
والأرامل،
والأيتام،
والنواحي التي لم تنضج بعد،
والأسواق التي ما زالت تئن من أثر الحرب،
فيعرف أن الطريق
أثقل من صورة المنقذ.
وكان هذا
من أعمق ما حفظه في تلك المرحلة.