الفصل الخمسمئة والخامس والأربعون: أول محاولة لشراء رجل من الصف الثاني
لم يكن من المستبعد
أن يجرّب الكبار
باب الإغراء أولًا.
فالدولة إذا لم يُكسر رأسها
ورأسها صعب الشراء،
بحث خصومها
عن رجلٍ أقل نضجًا،
أشد تعبًا،
أكثر إحساسًا بأنه لم يأخذ من الضوء أو الاعتراف
ما أخذه غيره.
وهكذا،
وصلت أيدٍ خفية
إلى رجلٍ من الصف الثاني،
كان قد نفع العهد في الحرب،
وثبت في الوادي،
ونشط في بعض الأبواب بعده،
لكنه في داخله
كان يحمل شعورًا صغيرًا لم ينتبه له كثيرون:
أنه يرى نفسه
أكبر مما وُضع فيه.
جاءه من خارج البوسنة
من يقول له:
— لو كنت في بلادٍ أخرى
لجلست في موضعٍ أعلى.
— أنتم تعبتم
ثم ذهب المجد كله إلى رجل واحد وبيت واحد.
— والجهات الصغيرة تريد من يفهمها،
ولست أقل من غيرك.
— ما رأيك
لو صار لك موضع خاص
في بعض المناطق الجديدة
بظهيرٍ من الخارج
وعلاقةٍ مباشرةٍ لا تمر كلها من القلب؟
لم يكن العرض ساذجًا.
كان يلامس
ذلك الموضع الذي ينشأ أحيانًا
في صدور الرجال النافعين
حين يطول بهم التعب
ولا ينتبهون أن الفتنة
قد تدخل عليهم
من باب إحساسهم بقيمتهم.
لكن عبد الله
قرأ رائحة التبدل.
لم يرَ خيانةً كاملة،
ولا دليلاً صارخًا،
لكنه رأى في الرجل
شيئًا من الغبش الجديد:
كلامًا أكثر عن نفسه.
شيئًا من الحساسية إذا ذُكر عبد الملك.
رغبةً في الحديث عن “ضرورة توزيع الأدوار”
بلغةٍ ظاهرها حكمة
وفي باطنها شيءٌ آخر.
فأخبر سعيدًا.
قال سعيد:
— لا تعجلوا عليه باتهام.
لكن لا تتركوه.
ثم أضاف:
— هذه لحظة اختبار
لصفوفنا نحن،
لا لعدونا وحده.
إذا كان الصف الثاني
لا يطيق أن يعيش في ظل المعنى
ويظل خادمًا له
فسيُشترى بعضه
ولو لم يكن خائنًا بطبعه.
ودعا عبد الملك الرجل،
وجلس معه جلسةً طويلة
لم يبدأها باللوم،
بل بالسؤال.
قال له:
— بلغني أن في صدرك شيئًا.
فإن كان فيك تعب
قلته.
وإن كان فيك حق
سمعته.
وإن كان فيك شيء من نفسك
فإني أحب لك أن تراه
قبل أن يراك به غيرك.
صمت الرجل طويلًا،
ثم انكسر.
قال:
— والله
ما أردت خيانة،
لكنني تعبت،
ورأيت نفسي أحيانًا
أعرف من النواحي ما لا يعرفه غيري،
وأحببت أن يكون لي موضع أوسع.
ثم أضاف، وعيناه مبللتان:
— وجاءني من نفخ في هذا
حتى خفت على نفسي.
لم يطرده عبد الملك،
ولم يهنه،
ولم يتركه كذلك.
بل قال:
— أنا لا أريد من حولي
رجالًا لا يشعرون بشيء.
لكنني أريدهم
إذا شعروا
عرفوا أين يضعون أنفسهم.
ثم أضاف:
— ستُحجب عن بعض الأبواب زمنًا،
ويُعاد نظرك في موضعك،
حتى تطهر من هذا الغبش.
فإن صبرت
عدت خيرًا مما كنت،
وإن ضقت
ظهر ما فيك.
وكان القرار
شديد الحكمة.
فقد حفظ الصف
من أن يُكسر بفضيحة،
وحفظ الرجل
من أن يضيع دفعةً واحدة،
وحفظ البوسنة
من أن ترى نفسها
قد سقط منها رجلٌ نافع
لأنها لم تعرف كيف تعالج
موضع الضعف الإنساني قبل أن يصير خيانة.
وقال سعيد بعد ذلك:
— هذا أول نصر
على يدٍ أرادت شراء روحنا من الداخل.
ثم أضاف:
— وتذكروا
أن الدول لا تُحفظ فقط
بأن يكون رأسها صالحًا،
بل بأن يُربَّى من تحته
على احتمال الظل
من غير مرض.