الجزء السابع والستون: حين صار على عبد الملك أن يحمي مركز المعنى

الفصل الخمسمئة والرابع والثلاثون: عبد الملك يتعلّم أن يقول لا من غير أن يغلق الباب

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والرابع والثلاثون: عبد الملك يتعلّم أن يقول لا من غير أن يغلق الباب

كان من أصعب ما تعلمه عبد الملك
في هذه المرحلة
أن يقول:

لا.

لا لبعض الطلبات.
لا لبعض الأحلاف.
لا لبعض الخصومات التي تريد استدراجه.
لا لبعض الوجوه التي رأته صاعدًا
فأرادت أن تتفيأ ظله
ثم تجرّه إلى ما لا يريد.

لكن الصعوبة
لم تكن في الكلمة نفسها،
بل في طريقة قولها.

فالدولة إذا أكثر حاكمها من “لا” الجافة
أغلق القلوب.
وإذا عجز عنها
أضاع البلاد.

قال له سعيد:
— أريدك أن تتعلم
كيف تقول لا
بحيث لا تكذب على أحد
ولا تكسر الصادقين
ولا تفتح للمتلاعبين.
ثم أضاف:
— لا الناشئة الحكيمة
هي التي تحفظ الباب
لا التي تهدمه.
فقد تقول لرجلٍ:
ليس الآن.
فيفهم الصادق
أنك تحفظه وتحفظ نفسك.
ويفهم المخادع
أنك لست بابًا سهلاً.

وجاءه بعد ذلك
طلبٌ من ناحية بعيدة
تريد جندًا وراية
في موضع لم يكن الوقت قد نضج له.
وكان فيهم صدق وبعض حاجة،
لكن الأرض هناك
مليئة بأهواءٍ قديمة
لو دخلها العهد في تلك الساعة
لاختلط عليه العدل بالثأر.

قرأ عبد الله الأرض،
وقرأ محمد النفوس،
ونظرت صفية إلى أثر ذلك على البيوت،
وقال سعيد:
— قل لهم:
نحن معكم
لكن لا بهذه الصورة.
أرسلوا إليهم عالمًا،
ومالًا على قدر،
وطريقًا للمأوى إن انكسروا،
ولا ترسلوا الراية.
فإن الراية هناك الآن
ستأكلها القبائل قبل أن تخدم الناس.

فكتب عبد الملك جوابًا
هو من أجمل ما كتب:
أن البوسنة
لا تتخلف عن نصرة مظلوم إذا قدرت،
لكنها لا تدخل بابًا
تعلم أنه سيزيد الناس تمزقًا
ثم تسمي هذا شجاعة.
ثم عرض عليهم
أبوابًا أخرى:
التحكيم،
والعلم،
والمأوى،
والتجارة المنصفة،
حتى ينضج ما وراء ذلك.

ولما قرؤوا الجواب
غضب بعض المتحمسين،
لكن العقلاء فيهم
قالوا:
— هذا رجل
لا يبيعنا الكلام
ثم يتركنا للنار.
وهذه شهادة
أحبها سعيد كثيرًا.
لأنها تعني
أن “لا”
خرجت على صورة رحمة منضبطة
لا على صورة جبن.