الجزء السادس والستون: حين بدأت البوسنة تتعلّم كيف تُنصر من حولها من غير أن تُبدّد روحها

الفصل الخمسمئة والرابع والعشرون: بابُ المأوى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والرابع والعشرون: بابُ المأوى

إذا كان العدل
أحد أبواب التأثير،
فإن المأوى
كان الباب الثاني.

فقد بدأ يصل إلى الحزام،
ثم إلى البوسنة نفسها،
رجال ونساء وأطفال
لا لأنهم يريدون الانضمام فورًا،
بل لأن النار في مواضعهم
لم تترك لهم بيتًا يبيتهم
ولا سوقًا يطعمهم.

وكان بإمكان عبد الملك
أن يردّهم بحجة أن البلاد
لم تُبنَ بعد بما يكفي لتحمل الخارج،
وكان بإمكانه كذلك
أن يفتح لهم الأبواب بلا حساب
فتختلط البوسنة في شهور
بأوجاع لا تعرف كيف تمسكها.

لكن صفية
فهمت هذا الباب
على الوجه الصحيح.

قالت:
— لا يجوز أن تُرى البوسنة
من الخارج
كأنها بلد عدل
ثم إذا جاءها المنكسر
لم تجد له زاويةً آمنة.
ثم أضافت:
— لكن لا أريد أيضًا
أن ندخل البيوت في فوضى الرحمة،
فنهدم الستر والأمن
باسم الإحسان.

ولهذا
أنشأوا ما يشبه دور المأوى المنظمة.

لا مخيمات مهانة،
ولا تجمعات مرمية على أطراف المدن،
بل مواضع معلومة،
لها إدارة،
وفيها نساء من دائرة صفية،
ورجال من الديوان،
وعالمٌ يزور،
وطبيب إن وجد،
وطريق إلى السوق،
وطريق إلى القضاء
إذا ضاع حق.

وكان الأصل في هذا الباب
أن الداخل إليه
لا يدخل بوصفه متسولًا على باب فضل،
بل بوصفه أمانة مؤقتة
في ذمة البوسنة.

وقالت صفية للنساء:
— لا أريد لامرأة نازحة
أن تشعر عندنا
أنها صارت رقمًا في طعامٍ ومكان.
أريدها أن تعرف
أنها إنسانة لها اسم،
ولها حياء،
ولها مصيبة
لا نُحوّلها إلى فرجة.

وقالت مريم:
— وأريد للأطفال
أن يجدوا في هذه الدور
ما يجعلهم لا يكرهون العالم كله
قبل أن يبلغوا.
وقال عبد الله:
— وأريد للديوان
أن يعرف من دخل
ولماذا دخل
ومتى يرجع
حتى لا يتحول باب المأوى
إلى فوضى تدخل منها الأخطار على البلاد.

وهكذا
فتحت البوسنة بابًا جديدًا للتأثير:
أنها لا تنصر من حولها
بالقضاء وحده،
بل بأن تكون
ملجأً منظمًا
حين ينكسر البيت خارجها.

وكان لهذا الباب
أثر عجيب في السمعة والمعنى.
فقد قال رجل من خارجها:
— كنا نظن أنهم دولة حربٍ وعدل،
فإذا بهم أيضًا
دولة مروءة.

وهذه الكلمة
أحبها سعيد،
لأن الدول العظيمة
لا تقوم بالقوة والميزان فقط،
بل بالمروءة التي لا تفسد النظام.