الجزء الخامس والستون: حين بدأت البوسنة لا تُرى فقط… بل تُراد

الفصل الخمسمئة والثامن عشر: أول طلبٍ للعدل من خارج الحد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخمسمئة والثامن عشر: أول طلبٍ للعدل من خارج الحد

لم يطل الوقت
حتى جاء ما نقل هذه الرغبة
من الهمس إلى الفعل.

وصل إلى البوسنة وفدٌ صغير
من ناحيةٍ ليست داخلة في حدودها،
ولا في حزامها القريب المباشر،
لكنها متصلة بها بالسوق،
والنسب البعيد،
وطرق الرعاة والتجار،
وأخبار العلماء.

لم يأتِ الوفد يطلب ضمًّا،
ولا راية،
ولا جندًا.
وجاء يطلب شيئًا أعجب وأعمق:

التحكيم.

كان بين أهل تلك الناحية
نزاعٌ قديم متشعب،
فيه ماءٌ،
وأرضٌ،
ودمٌ قديم،
وظلمٌ من وجهٍ قوي
يستند إلى رجالٍ وسلاح وعصبية.
وقد تعب الناس هناك
من قضاةٍ يأكلون من الطرف الأقوى،
ومن علماء يصمتون لأنهم لا يملكون ظهرًا،
ومن رجال سياسةٍ لا يرون إلا من يدفع.

فلما دخلوا على عبد الملك،
قال شيخهم في وضوحٍ لم يعتد الناس مثله من الغرباء:
— نحن لا نجيء اليوم لندخل فيكم،
ولا لنحتمي باسمكم من غير ثمن.
نحن نجيء لأننا سمعنا
أن عندكم عدلًا
إذا دخل في خصومة
لم ينظر أولًا إلى اسم الرجل
بل إلى حقه.
ثم أضاف:
— ونريد أن نختبر هذا
قبل أن نختبر غيره.

كان الطلب غريبًا جميلًا وخطيرًا معًا.

جميل،
لأنه يعني أن البوسنة
لم تعد تُطلَب للسيف وحده،
بل للميزان.
وخطير،
لأنه يفتح بابًا جديدًا:
هل يتجاوز عدل الدولة حدودها
قبل أن يتجاوزها سلطانها؟

نظر عبد الملك إلى أبيه،
ثم إلى محمد،
ثم إلى الرجل البخاري الكبير،
ثم قال:
— إن قبلنا
فهل نظلم حدودنا؟
وإن رددنا
فهل نكذب على ما صرنا نعلنه عن أنفسنا؟

قال محمد:
— إن قبلتَ
فلا تقبله على صورة سيدٍ يُستدعى،
بل على صورة قاضٍ يُحتكم إليه.
والفارق عظيم.
وقال سعيد:
— وأنا أرى أن هذا هو الباب الصحيح أولًا.
أن يخرج العدل
قبل أن يخرج السلطان.
ثم أضاف:
— لكن لا تذهب إليهم بكل شيء.
اجعل لهم مجلسًا معلومًا،
وشروطًا واضحة،
وشهودًا من الطرفين،
وليعلموا أن حكمك عليهم
ليس بابًا لدخولهم فيك قهرًا
ولا بابًا لتفاخرهم بأنهم استجلبوا عبد الملك إلى خصومتهم.
بل باب اختبار للميزان.

فقبل عبد الملك،
لكن على هذا النحو.

أُرسل من عنده
رجل من القضاء،
وعالم،
ورجل من الديوان،
ومعهم كتابٌ مختوم
يقول إنهم لا يدخلون تلك الناحية
إلا شهود حق،
وأن حكمهم
لن يترتب عليه سلطان إلا بقبولٍ صريح بعد ذلك
إن أراد أهلها.

وكان لهذا أثرٌ بالغ.

فالناس هناك
رأوا لأول مرة
أن اسم عبد الملك
يمكن أن يدخل حياتهم
من باب الحكم العادل
لا من باب الحرب فقط.

ولما انتهى المجلس الأول
وتكلم الشهود،
وظهر من الظلم ما ظهر،
وحُكم للضعيف
ببعض ما ضاع عليه سنين،
خرج رجل من العامة
وقال بصوتٍ اختلط فيه البكاء بالتعجب:
— والله
ما حسبنا أن يأتي زمان
نرى فيه عدلًا
يمشي إلينا
قبل أن يمشي إلينا جند.

ووصلت هذه العبارة إلى عبد الملك،
فبقيت في قلبه طويلًا.

لأنه فهم منها
أن البوسنة بدأت تُراد
لا كقوةٍ فقط،
بل كـوعد أخلاقي.