الفصل الخمسمئة والرابع عشر: صفية تحرس روح البوسنة من الخارج
كانت صفية تعلم
أن الخارج لا يدخل البلاد فقط
من الحدود والتجارة والوفود،
بل يدخلها أيضًا
في الخيال.
فإذا كثر ذكر الخارج،
والميثاق،
والوفود،
والاعتراف،
والعروض،
ربما بدأ بعض الناس — وخاصة في البيوت —
يتخيل أن عظمة البلاد
صارت فيما يقوله عنها غيرها
لا فيما هي عليه عند الله والناس.
ولهذا،
جمعت نساءها في مجلسٍ هادئ،
وقالت:
— اسمعنني جيدًا.
إذا سمعتنّ أن البلاد
صار لها ذكرٌ عند هذه الجهة أو تلك،
أو أن وفدًا جاء،
أو أن ميثاقًا تم،
أو أن دولة عرضت وأخرى ردّت،
فلا تجعلْنَ قيمة البوسنة في قلوبكن
بما يأتيها من خارجها.
ثم أضافت:
— البلاد عند الله
إنما تعلو
إذا علت في ظلمها وعدلها وبيوتها وسوقها ونسائها،
لا إذا كثر من يذكرها على أبواب القصور.
وقالت امرأة:
— لكن ألا نفرح
أن يُعرف اسم بلدنا؟
فابتسمت صفية،
وقالت:
— افرحن،
لكن لا تُسَلِّمْنَ الروح للفرح.
فإن بعض البلاد
تضيع حين تبدأ ترى نفسها
في مرآة الخارج أكثر مما تراها
في وجوه أراملها وأيتامها وفقَرائها وجرحاها.
ثم التفتت إلى فاطمة،
وكان حضورها في المجلس مهيبًا هادئًا،
وقالت:
— وأنتِ خصوصًا،
احفظي هذا أكثر من غيرك.
فإن بابكِ
أشد الأبواب عرضةً
أن يربطه الناس بما يأتي من الخارج.
وأريدك أن تظلي تعرفين
أن شرفك الحقيقي
ليس في أن تُذكري عند الكبار،
بل في أن تبقي بنت هذا البيت
إذا دخلت النساء عليك
وجدن فيكِ الرحمة نفسها.
خفضت فاطمة رأسها،
وقالت:
— أخاف من هذا الباب أكثر من كل ما قبله.
فقالت صفية:
— والخوف الصحيح
هو أول ما يحفظ صاحبه.
وكان هذا المجلس
من المجالس التي لا يسمعها التاريخ غالبًا،
لكنه لو غاب
لأكل الخارج البلاد من خيالها
قبل أن يأكلها من حدودها.