الفصل الأربعمئة والثامن والتسعون: أول يدٍ ممدودة وأول يدٍ مردودة
في هذه المرحلة،
بدأت تصل إلى عبد الملك
أيدٍ مختلفة من الخارج.
وليس كل يدٍ ممدودة
يدُ خير.
فبعضها
يريد أن يختبرك:
هل تندفع إلى كل من اعترف بك؟
وبعضها
يريد أن يربطك به ربطًا يجعل منك تابعًا لا شريكًا.
وبعضها
يريد أن يستخدمك في خصومةٍ ليست خصومتك
ثم يتركك وحدك إذا اشتد الأمر.
وبعضها
قد يكون صادقًا حقًا
لكن صدقه لا يكفي وحده إذا لم يكن وقته مناسبًا.
جاءته أول يدٍ من جهةٍ مجاورة
تقول في ظاهرها:
نحن نريد علاقات طيبة،
وتعاونًا،
وفتح بعض الأبواب.
لكن عبد الله قرأ ما وراءها،
وقال:
— هؤلاء
يريدون أن يعرفوا هل يمكن أن يضعوا أقدامهم في داخلنا
قبل أن يثبتوا لنا ما يطمئننا إلى حدودهم.
وقال محمد:
— وفيهم كذلك من يحب أن يُرى
كأنه أول من اعترف بنا
فيكسب من صورتنا أكثر مما نعطيه من واقعنا.
وقال سعيد:
— إذن تُردُّ اليد
لا ردَّ قطيعة،
بل ردَّ تأجيل.
حتى يعرفوا أن البوسنة
لا تنبهر بأول مصافحة.
فردّ عليهم عبد الملك
بكلامٍ مهذب،
واضح،
وفيه كفاية:
أن البوسنة ترحب بالعلاقات المستقيمة،
لكنها لا تفتح بابًا
حتى تثبت نية الداخل إليه
وحدوده وطبيعة ما يريده.
وبعد أيام،
جاءته يد أخرى
أصدق قلبًا
وأقل شهوةً في الصورة.
من جهةٍ رأته يثبت في بلاده
ولا تريد ابتلاعه
ولا التفاخر به،
بل تريد أن تبني معه حسن جوارٍ ومصالح متوازنة.
فلما عرض الأمر على سعيد،
قال:
— هذه تُمدّ إليها اليد.
لأنها لا تريد أن تدخل من نافذة بيتك
بل من باب البلاد.
ثم أضاف:
— والفرق بين الدول
ليس فقط فيمن يمد اليد،
بل فيمن تعرف لمن تردها ومتى تمدها.
وهكذا،
تعلم عبد الملك درسًا جديدًا في السياسة بين البلاد:
أن الكرامة ليست في كثرة من يقترب،
بل في صحة من يُسمح له أن يقترب.