الفصل الأربعمئة والرابع والتسعون: من يحسن الحرب لا يحسن السياسة بالضرورة
لم يكن دخول البوسنة إلى ميدان السياسة بين البلاد
أقلَّ خطرًا من دخولها الحرب حين فُتحت عليها.
بل لعلّه، في نظر سعيد،
كان أخفى خطرًا وأطول أثرًا.
فالحرب تكشف الرجال بسرعة.
تفضح الجبان،
وتحمّل الشجاع ما فيه،
وتجبر الناس على أن يروا الدم فيعرفوا مواضعهم منه.
أما السياسة بين البلاد،
فإنها لا تكشف دائمًا بهذه السرعة.
بل قد تأتي في صورة كلمات مهذبة،
ورسائل رقيقة،
ووفود ذات وجوه حسنة،
وفي باطنها أسئلةٌ عنيفة:
من أنت؟
ما حدودك؟
إلى أي حدٍ يمكن أن تُعامل كدولة؟
ومتى ينبغي أن تُخاف؟
ومتى يمكن أن تُطوَّق بابتسامة؟
ولهذا،
حين قال سعيد لعبد الملك إن البوسنة دخلت ميدان السياسة بين البلاد،
لم تكن في صوته نشوة الاعتراف،
بل يقظة الرجل الذي يعرف أن كل اعتراف خارجي
يحمل معه محاولة وزنٍ واختبار.
قال له في مجلسٍ ضيق:
— يا بني،
من يحسن الحرب لا يحسن السياسة بالضرورة.
ومن يحسن إصلاح البلاد من داخلها
قد يفسدها عليه أول وفدٍ إذا دخله شيءٌ من العجلة أو الزهو أو الخوف.
ثم أضاف:
— السياسة بين البلاد ليست أن تقول للناس من أنت فقط،
بل أن تعرف:
متى تُظهر ما عندك،
ومتى تخفيه،
ومتى تمدّ اليد،
ومتى تترك غيرك يأتيك إليها.
كان عبد الملك يسمع هذا
وقلبه أشد حذرًا من أن ينجرف إلى لذّة الاعتراف الخارجي.
فقد عرف من أبيه طويلًا
أن الخارج لا يعطيك وزنًا
إلا ليعرف كيف يضعك في ميزانه هو أيضًا.
قال:
— إذن نحن في باب امتحانٍ جديد.
قال سعيد:
— نعم.
بل بابٌ قد يفسد فيه الرجال الصالحون
لأنهم يظنون أن حسن نيتهم
يكفي لحسن الدخول على البلاد الأخرى.
ثم سكت قليلًا وقال:
— أريدك أن تذكر دائمًا
أنك لا تدخل هذا الميدان باسم عبد الملك وحده،
ولا باسم بيتك،
ولا باسم انتصار الوادي،
بل باسم بوسنة العهد كلها.
فإن تكلمت بما يرفعك أنت
ويثقل بلادك،
فقد خنتها من حيث لا تشعر.
وكانت هذه أول قاعدة في الباب الجديد.