الفصل الأربعمئة والتاسع والثمانون: محمد يفتح باب العلماء خارج البلاد
أما محمد،
فقد فهم أن ما وراء الحدود
لن يُحمل بالسيف وحده
ولا بالتجار وحدهم،
بل إن للعلماء هناك
دورًا أخطر مما يبدو.
فإن البلاد المجاورة
حين تسمع عن حكمٍ ناشئ
تسأل علماءها أولًا:
هل هذا طريق عدل؟
أم فتنةٌ جديدة؟
هل هم أهل سنةٍ وميزان؟
أم رجال سلطة يلبسون لسان الدين؟
ولهذا،
بدأ محمد يفتح على مهل
بابًا مع العلماء خارج البوسنة.
كتب رسائل،
أو أرسل رجالًا،
أو استقبل من جاء يسأل،
وكان مضمون ما يخرج من عنده واحدًا:
أن بوسنة العهد
لم تقم على رجلٍ يدعي لنفسه ما ليس له،
ولا على عصبيةٍ تريد ابتلاع الناس،
بل على بلاءٍ طويل
أخرج حاجة البلاد إلى جامعٍ عادل،
فدخلت فيه الأسواق،
والنواحي،
والعلماء،
والنساء،
والقضاء،
والديوان.
وكان شديد الحرص
أن لا يظهر في خطابه
أيُّ تعاظم.
يقول:
— نحن لا نزعم الكمال،
ولا نزعم أن الحرب لم تترك فينا ندوبًا،
لكننا نرجو أننا خرجنا إلى الناس
على وجهٍ أصدق من أن نخفي ما عندنا،
وأبعد من أن نبيعهم صورةً لا نعيشها.
ووصلت هذه الرسائل
إلى علماء في جهات قريبة وبعيدة نسبيًا،
فبدأ بعضهم يقول:
— يبدو أن ما عندهم
ليس حركة رجلٍ وحده،
بل بناءٌ له لسانٌ فقهي وأخلاقي وإداري.
وقال آخر:
— إن صحّ هذا
فإن البوسنة لم تعد هامشًا مضطربًا،
بل صارت موضعًا يجب أن يُتأمل.
وهذا كان من أعظم ما أراده محمد:
أن يتحول الخبر عنهم
من شائعات السياسة والسوق
إلى لغة النظر العلمي.
لأن البلاد إذا دخلت إلى ضمير العلماء خارجها
دخلت التاريخ على نحوٍ أعمق من مجرد الظهور العسكري.