الفصل الأربعمئة والسابع والستون: النواحي التي كانت تنتظر… بدأت تنحاز
بعد الوادي،
وبعد انكشاف الخصم في الدم،
وبعد ضبط الغنيمة والجرحى على هذا الوجه،
بدأت النواحي المترددة
تنظر إلى العهد نظرةً مختلفة تمامًا.
لم تعد تقول:
هل يقدر؟
بل صار سؤالها:
هل نستطيع أن نبقى خارجه؟
وهذا فرقٌ هائل.
فقد كانت بعض النواحي قبل ذلك
ترى في التردد حكمةً.
أما الآن،
وبعد أن رأت كيف يحمل العهد الحرب
من غير أن يصير هو الفوضى،
وكيف يثبت الرجال من غير أن تنفلت الغنيمة،
وكيف تُحفظ النساء والجرحى،
فقد بدأت تشعر أن البقاء في الرمادي
ليس حكمةً بل هشاشة.
وصلت إلى عبد الملك رسائل أو وفود صغيرة متتابعة:
من ناحيةٍ تطلب أن تُلحق بسوقها
نظام القوافل الجديد.
ومن ناحيةٍ تطلب أن يزورها عالم من علماء العهد
لأن إمامها تعب من الوقوف وحده.
ومن ناحيةٍ ثالثة
تسأل:
إذا دخلنا الآن،
هل نُعدّ من أهل البلاد أم من المتأخرين؟
وكان هذا السؤال الأخير
كاشفًا جدًا.
لأن الناحية التي تسأل هل تُقبل
إنما تكون قد قطعت نصف الطريق إلى الدخول.
جمع عبد الملك هذه الرسائل،
ودخل بها على أبيه.
قرأها سعيد،
وسكت طويلًا،
ثم قال:
— الآن بدأ النصر الحقيقي.
ليس حين ثبتت الراية على فم الوادي،
بل حين بدأت النواحي تقول في نفسها:
إن الخروج من الرمادي صار خطرًا علينا.
ثم أضاف:
— لكن احذر.
لا تأخذ المترددين دفعةً واحدة.
خذهم كما تُدخل الماء إلى الأرض العطشى:
على قدر،
حتى لا يتحول القادمون الجدد
إلى عبءٍ على ما لم يرسخ بعد.
فقال عبد الملك:
— إذن نفتح لهم الأبواب
ولا ندخلهم كلهم في الحجرة نفسها.
تبسم سعيد، وقال:
— هذه عبارة من بدأ يفهم البلاد.
وهكذا،
بدأت السيطرة على البلاد
تتحول من أخذ العقد
إلى ميل النواحي من تلقاء نفسها.
وهذا
أشد على الخصم من ألف صدمة.