الجزء السابع والخمسون: حين بدأ العهد يأخذ الحرب من يد خصومه

الفصل الأربعمئة والثاني والستون: بعد الوادي… البلاد ترى نفسها

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة والثاني والستون: بعد الوادي… البلاد ترى نفسها

في الليلة التي تلت الوادي،
لم تنم البلاد نومًا واحدًا.

في المدينة،
بكى بعض الرجال من التعب والحمد لا من الفرح الساذج.
وفي النواحي،
جلست النساء عند الأبواب
ينتظرن الوجوه العائدة أو الأخبار الآتية،
لكن شيئًا من الطمأنينة دخل عليهن لأول مرة منذ بدأ الصدام المفتوح:
أن الحرب لم تعد كلها على أكتافهنّ،
بل بدأت ترتد على من فتحها.

وفي الجامع،
وقف عبد الرؤوف أو غيره من العلماء،
وقال:
— اليوم،
لم نرَ فقط رجالًا ثبتوا.
رأينا بلادًا بدأت تعرف أن العهد ليس مجرد حارس لما هو قائم،
بل قادر على أن يأخذ من الظالم
الباب الذي كان يفتح به الظلم كل مرة.

وفي بيوت النساء،
قالت صفية:
— من اليوم،
احذرن من شيءٍ جديد:
النصر إذا دخل البيوت على هيئة الزهو.
ثم أضافت:
— قلن: الحمد لله.
وقلن: ثبت الرجال.
لكن لا تقلن:
انتهى الأمر.
فإن البلاد إذا غرّها أول كسر ليد الحرب
دخل إليها البلاء من باب آخر.

وفي المجلس الصغير في البيت،
جلس سعيد مع أبنائه وصفية،
وقال:

— اليوم،
خرجنا من حالٍ إلى حال.
ما عدنا فقط نمنع الخصم من أن يفتح الحرب كل مرة من جديد،
بل بدأنا نأخذ منه قدرة المبادرة.
وهذا لا يعني أن الطريق صار سهلًا،
لكنه يعني أن البلاد لم تعد تحارب على إيقاعه فقط.

ثم نظر إلى عبد الملك،
وكان في نظرته شيءٌ من رضا الأب الصامت، وقال:
— اليوم،
دخلتَ بابًا جديدًا.
قبل هذا كنتَ حامل عهدٍ،
ثم صرتَ حامي عهد،
أما اليوم
فقد بدأت تصير صانع ميزان الحرب فيه.

خفض عبد الملك رأسه،
ولم يشعر بالانتشاء،
بل بخوفٍ أعمق.
لأن البلاد إذا بدأت ترى فيه هذا،
ازدادت مسؤوليته في كل دمٍ يأتي بعده.

وقال:
— أخاف أن يغرّ الناس ما وقع فيظنون أن الحرب صارت سهلة.
قال سعيد:
— ولهذا يجب أن نسبقهم إلى المعنى.
الفتح الأول لا يعني الأمان،
بل يعني أن الطريق بدأ ينقلب.
ومن لا يفهم هذا
ربما أفسد ما بُني في أول نصرٍ له.

وهكذا،
لم يكن الوادي نهاية شيء،
بل بداية مرحلةٍ جديدة:

أن العهد لم يعد فقط قادرًا على البقاء،
ولا على السيطرة،
بل على قلب الحرب نفسها.