الفصل الأربعمئة والحادي والأربعون: ماذا كسبت بوسنة العهد من الدم
حين هدأت الضربة الكبرى الأولى قليلًا،
وجلس سعيد مع دائرته مرةً أخرى،
لم يتكلم كما يتكلم المنتصرون.
بل قال جملته على هيئة رجل يعرف أن الدم
لا يُحتفل به،
لكن قد يُفهم.
قال:
— لم نكسب لأننا لم نُصب.
بل كسبنا لأن البلاد رأت اليوم شيئًا لم تره قبل ذلك بوضوح:
أن العهد إذا ضُرب في طرف،
لم تتخلَّ المدينة.
وإذا اضطربت المدينة،
لم تَقُل الأطراف: ليس شأننا.
وإذا خافت النساء،
لم يفسدن الرجال.
وإذا تكلم العلماء،
لم يصيروا لسان هلع.
ثم أضاف:
— هذا هو المكسب الحقيقي.
أن الضربة لم تعد تثبت فقط من هو الأقوى،
بل من هو الأصدق بناءً.
ونظر إلى عبد الملك:
— اليوم صرتَ في أعين البلاد أكثر من حامل عهد معلن.
صرت الرجل الذي دخل معه الدم
فلم يهرب من البلاد
ولم يدفعها إلى الجنون.
وهذا بابٌ جديد من الشرعية.
أما محمد،
فقال:
— والعلماء تعلموا شيئًا آخر.
أن دورهم ليس فقط قبل الإعلان ولا عنده،
بل في أول الدم بعده.
وأما صفية،
فقالت:
— والنساء تعلمن أن صبرهنّ ليس زينةً للعهد،
بل من أعمدته.
وأما عبدالله،
فقال:
— والصف الثاني والثالث دخلا الامتحان أخيرًا،
ولم يسقطا.
ثم ساد الصمت.
كان كل واحدٍ منهم يعرف أن ما وقع
ليس نهاية الخطر،
بل ربما بدايته في صورته المفتوحة.
لكنهم كانوا يعرفون كذلك
أن بوسنة العهد خرجت من الضربة الأولى الكبيرة
وهي أصلب،
وأصدق في نظر نفسها والبلاد،
وأوضح لخصومها.
وهكذا،فإن بوسنة العهد لم تعد فقط قادرة على الإعلان والبناء،
بل بدأت تثبت أنها قادرة على حمل الدم من غير أن تصير فوضى،
وعلى حمل الخوف من غير أن يصير ذلًا،
وعلى حمل الأطراف من غير أن تنقسم على قلبها.
ومن هنا،
ينفتح الباب لما بعده على مرحلةٍ أشد عمقًا:
فإذا كانت البلاد قد عبرت،
وبنت،
وحملت أول ضربة كبيرة…
فما الذي سيأتي بعد ذلك؟
سيأتي ما هو أصعب من مجرد صدّ الخصم:
أن تبدأ بوسنة العهد في تشكيل صورتها الكبرى على الأرض،
دستورها الضمني،
ومراكزها،
ورجالها،
وعلاقتها بما حولها،
قبل أن يأتي الزمن الذي ستنتقل فيه من عهدٍ يثبت
إلى عهدٍ يفتح.