الفصل الأربعمئة والثاني والثلاثون: عبد الملك يذهب أخيرًا… لتظهر الدولة لا الرجل
بعد أن وصلت المعاني إلى أهل الطريق والسوق والعلماء والنساء،
رأى سعيد أن الوقت قد جاء لذهاب عبد الملك.
قال له:
— الآن اذهب.
لا لتكسر الحصار بعاطفةِ من غُضب له،
بل لتُظهر أن ما جاء قبلك لم يكن تمهيدًا لحضورك الشخصي،
بل كان مقدماتٍ لحضور العهد نفسه.
ثم أضاف:
— إن ذهبت اليوم،
فاذهب لا كمن يهرع إلى الحريق،
بل كمن يدخل إلى موضعٍ يعرف أنه جزءٌ من البلاد التي سُمِّي عليها.
ركب عبد الملك أو خرج برجاله،
لكن لا بعددٍ يثير الحرب،
ولا بخفةٍ تستدعي الطمع.
كان معه من يكفي لهيبة الطريق،
ومن يعرف من الرجال كيف يتحركون إذا كان المقصود إظهار القدرة لا طلب الدم.
وحين بلغ الموضع الذي انقطع فيه الطريق،
لم يبدأ بالصدام.
وقف أولًا عند طرف السوقين الصغيرين.
جمع رجال السوق.
سأل عن أصل الخصومة.
ثم قال:
— من أغلق الطريق أولًا؟
فقال رجلٌ من السوق الأول:
— ليس نحن…
بل الخوف.
وقال آخر من السوق الثاني:
— والخوف لا يأتي وحده.
ابتسم عبد الملك ابتسامةً خفيفة فيها مرارة الفهم، وقال:
— نعم.
الخوف إذا دخل السوق
أغلق الطريق بأيدي أصحابه وهم يظنون أن غيرهم هو الذي أغلقه.
ثم أمر أن تُكتب الشهادة على ما فُرض وما مُنع وما أُشيع،
وألا يخرج أحد من السوقين بكلامٍ يحمّل السوق الآخر كل الوزر.
ثم جلس إلى وجهاء الناحية الثالثة،
وقال لهم:
— لو أردتُ أن أثبت لكم اليوم أنني قوي،
لفتحت الطريق بالسيف ثم رجعت.
لكنني أريد أن أثبت شيئًا أكبر:
أن بوسنة العهد لا تدخل أزمةً
إلا وتخرج منها وهي تعرف نفسها أكثر.
ثم تحرك إلى الطريق ذاتها.
وبعد ما سبق من ترتيب،
لم تكن الطريق موضعًا لالتقاء قوتين فقط،
بل موضعًا لكشف الخصم.
فحين رأى رجاله وضوح الشهادات،
وتماسك السوقين،
وثبات الناحية،
وحضور عبد الملك على هذا النحو،
تراجع بعض من كانوا قد ظنوا أن بإمكانهم أن يجعلوا الأزمة غائمة.
ولم يحتج عبد الملك أن يسفك دمًا كثيرًا.
فتح الطريق،
لكن الأهم أنه فتح المعنى:
أن الأطراف لم تُترك.
وأن المدينة لم تضق بها.
وأن السوقين لم تأكلا بعضهما.
وأن العالم لم يخذل الناس.
وأن العهد دخل أول أزمة بنيوية له
فخرج منها موحدًا أكثر.
حين عاد الخبر إلى سعيد،
قال:
— الآن فقط،
ثبت للبلاد أن الإعلان لم يسبق القدرة.
وهذا مكسب لا يُقدّر بثمن.