الفصل الأربعمئة والسادس عشر: الليلة التي تكلّم فيها عبدالله قليلًا
في الليلة السابقة للإعلان أو في ليلته القريبة،
دخل عبد الملك على عبدالله،
فوجده في موضعه المعتاد بعد الجرح:
أهدأ في الجسد،
أعمق في العين،
وأقل ميلًا إلى الحركة الفارغة.
جلس بقربه،
ولم يتكلم أولًا.
ثم قال عبد الملك:
— غدًا…
قال عبدالله:
— أعلم.
وسكتا.
ثم قال عبد الملك:
— كنت أظن أنني إذا بلغت هذا الموضع
سأشعر بشيءٍ من الراحة لأن الطريق الطويل أثمر.
لكنني لا أشعر إلا بالثقل.
ابتسم عبدالله ابتسامةً صغيرة وقال:
— الحمد لله.
لو شعرت بالراحة أكثر من الثقل،
لخفت عليك.
ثم أضاف:
— أتدري ما أفكر فيه الليلة؟
— ماذا؟
— أفكر أن الجرح الذي أصابني
كان رحمةً خفية علينا في هذا اليوم.
نظر إليه عبد الملك،
فأكمل:
— لأنه لو لم يقع،
لربما دخلنا غدًا ونحن لا نزال نحمل في داخلنا أوهامًا عن أنفسنا:
أن بعض الأبواب لا يقوم بها إلا رجل واحد،
أو أن البنية متماسكة بما يكفي من غير أن تختبر.
أما الآن،
فأنا أعرف، وأنت تعرف، وأبونا يعرف، وأمنا تعرف،
أننا سندخل الغد ونحن أصدق مما كنا.
ثم رفع عينيه إليه، وقال:
— فلا تدع الغد يسرق منك هذا الصدق.
ظل عبد الملك صامتًا لحظة،
ثم قال:
— هل تحزن أنك لن تكون في الضوء كما ينبغي لك؟
ضحك عبدالله ضحكةً هادئة، وقال:
— والله ما كنت أحب الضوء يومًا.
لكنني أحزن فقط إن ظن الناس أن الدولة قامت بخطابٍ وصورة
ونسي أحدهم عدد الخيوط التي وُضعت في الظل حتى وصلنا إلى هنا.
ثم أضاف:
— ومع ذلك،
فلا يهم.
إذا استقامت البلاد،
فلا يهم أين يقف الرجل ما دام موضعه عند الله صحيحًا.
كانت هذه الكلمات من أصدق ما قيل في تلك الليالي.
وقد حفظها عبد الملك في قلبه أكثر مما حفظ كثيرًا من الخطابات بعد ذلك.